أنهى مهرجان الفيلم السعودي دورته الثانية عشرة في مركز إثراء بالظهران، بين 26 يونيو و2 يوليو 2026، وسط أرقام تعطي صورة أوضح عن المسافة التي قطعتها السينما السعودية خلال سنوات قليلة. شارك في الدورة 50 فيلماً من أكثر من 15 دولة، وجاءت هذه العروض بعد تلقي 314 مشاركة، منها 249 فيلماً و65 مشروعاً لسوق الإنتاج. السؤال الذي تفتحه هذه الدورة لا يخص المهرجان وحده. هل باتت السينما السعودية تتحرك باتجاه قطاع ثقافي منتظم، له سوق وتمويل ومهنيون وجمهور، أم أنها ما زالت تعتمد على زخم الفعاليات والدعم المؤسسي أكثر مما تعتمد على دورة إنتاج مستقرة؟
تأتي أهمية السؤال من لحظة أوسع. السوق السينمائية السعودية سجلت في 2025 إيرادات تقارب 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً. هذه أرقام سوق حقيقي، لكنها تكشف أيضاً حدود الحضور المحلي، إذ حققت 11 فيلماً سعودياً نحو 122.6 مليون ريال من الإيرادات، وباعت 2.8 مليون تذكرة. معنى ذلك أن الإنتاج المحلي يتقدم، لكنه يتحرك داخل منافسة قوية مع الأفلام الأجنبية والعربية الأكثر رسوخاً في التوزيع والجمهور.
مهرجان الفيلم السعودي في الأرقام
الدورة الثانية عشرة من مهرجان الفيلم السعودي حملت شعار «كل حكاية رحلة»، ونظمتها جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة. التأجيل من نيسان إلى موعد جديد بين أواخر يونيو وبداية يوليو لم يلغ البرنامج، بل وضعه في وقت قريب من موسم ترفيهي وسياحي نشط، وهذا عامل مهم لأن المهرجانات لا تعيش على صنّاع الأفلام وحدهم. تحتاج إلى جمهور يخرج إلى القاعات، وإلى مدينة قادرة على استقبال الفعاليات، وإلى شبكة إعلامية ومهنية تتابع ما يحدث بعد الافتتاح.
اختير 27 فيلماً للمنافسة في المسابقات الرسمية، إلى جانب 6 أفلام في العروض الموازية. وتوزعت المنافسات على الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية، مع 9 جوائز نخلة ذهبية. في الختام، فاز فيلم «هجرة» للمخرجة شهد أمين بجائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، ونالت سارة طيبة جائزة أفضل تمثيل عن فيلم «مسألة حياة أو موت»، بينما ذهبت جوائز أخرى إلى أفلام سعودية وخليجية ووثائقية قصيرة وطويلة. هذه النتائج ليست مجرد أسماء فائزة. هي إشارة إلى أن الجيل الجديد من السينمائيين السعوديين بات يعمل داخل مساحة أوسع من العروض والتحكيم والتنافس المهني.
يستحق سوق الإنتاج وقفة خاصة. السوق اختتم أعماله بـ51 جائزة مالية وخدمية تجاوزت قيمتها 4 ملايين ريال، بعدما كانت نحو 2.5 مليون ريال في الدورة السابقة. كما تنافس فيه 13 مشروعاً سينمائياً في مراحل مختلفة، وحصلت المشاريع على دعم في التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج والخدمات الفنية. هنا يظهر الفارق بين مهرجان يعرض أفلاماً جاهزة ومهرجان يحاول التأثير في ما سيُنتج لاحقاً. السوق لا يضمن ولادة أفلام ناجحة، لكنه يضع بعض المشاريع أمام ممولين ومنتجين وخبراء، ويقلل عزلة المخرجين الشباب في مرحلة صعبة من عمر الفيلم.
السوق بعد شاشة العرض
تتحرك السينما السعودية اليوم بين مسارين. الأول هو نمو صالات العرض والجمهور، والثاني هو بناء إنتاج محلي قادر على ملء جزء أكبر من هذه الصالات. بيانات 2025 تظهر أن السوق توسعت مقارنة بعام 2024، إذ ارتفعت الإيرادات من 845.6 مليون ريال إلى 920.8 مليون ريال، وزاد عدد التذاكر المبيعة من 17.5 مليوناً إلى 18.8 مليوناً. كما وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، مع متوسط سعر تذكرة يقارب 49 ريالاً.
هذا التقدم يعطي قطاع السينما أرضية اقتصادية أوضح، لكنه لا يحل وحده مشكلة الإنتاج المحلي. الأفلام السعودية حققت حضوراً ملحوظاً في 2025، غير أن حصتها ما زالت أقل من حجم السوق الكلي. المنافسة لا تأتي من هوليوود فقط. الأفلام المصرية والهندية واليابانية وغيرها تحضر أيضاً، وتدخل إلى القاعات وهي محمولة على خبرة توزيع وتسويق وجمهور متراكم. أمام الفيلم السعودي مهمة مزدوجة، عليه أن يطوّر جودته الإنتاجية وأن يفهم جمهوراً محلياً لم يعد يكتفي بالمشاهدة بوصفها تجربة جديدة بعد إعادة فتح دور السينما.
لهذا يصبح مهرجان الفيلم السعودي جزءاً من البنية التي تساعد السوق، لا بديلاً عنها. المهرجان يمنح الأفلام نافذة عرض ونقاش، ويضع المخرجين أمام جمهور ونقاد ومنتجين. لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع صناعة مستدامة. الاستدامة تحتاج إلى شركات إنتاج نشطة، وكتابة سيناريو أكثر احترافاً، وتمويل واضح، وتوزيع لا يحصر الفيلم في أيام المهرجان، وتدريب مستمر على المهن التقنية التي لا تظهر عادة في واجهة السجادة الحمراء.
قرار هيئة الأفلام رفع الحوافز السينمائية إلى 60% من المصروفات المؤهلة يعطي مؤشراً على أن الدولة تريد تحويل الإنتاج السينمائي إلى نشاط اقتصادي قابل للاستثمار، لا إلى نشاط ثقافي موسمي. برنامج الحوافز يشمل دعماً مالياً يصل إلى هذه النسبة، إلى جانب مساندة لوجستية في التراخيص والموافقات والخدمات. قيمة هذا النوع من السياسات تظهر عندما تنعكس على عدد المشاريع المنجزة داخل المملكة، وعلى تدريب الكوادر المحلية، وعلى قدرة الشركات السعودية على الدخول في إنتاجات مشتركة من دون البقاء في موقع الخدمة الثانوية للمشاريع الأجنبية.
النمو يحتاج إلى صناعة كاملة
التحول إلى قطاع ثقافي قابل للنمو يتطلب قراءة هادئة لما تحقق وما لم يتحقق بعد. السعودية تملك اليوم سوق تذاكر نشطة، وبنية مؤسسية من هيئة أفلام وصندوق ثقافي ومهرجانات، وحوافز إنتاجية، ومراكز عرض وتدريب. هذه عناصر ضرورية. لكنها لا تتحول تلقائياً إلى صناعة كاملة إذا بقيت متفرقة أو محكومة بجهد سنوي مرتبط بالمواسم.
أحد الاختبارات الأساسية سيكون في العلاقة بين المهرجان وشباك التذاكر. الفيلم الذي يفوز في مهرجان لا يصل بالضرورة إلى جمهور واسع، والفيلم الجماهيري لا يكون دائماً موضع تقدير نقدي. المطلوب أن تتوسع المسافة المشتركة بين الاثنين، أي أن تظهر أفلام سعودية قادرة على حضور المهرجانات والوصول إلى القاعات والمنصات في الوقت نفسه. هذا يحتاج إلى توزيع مبكر، وحملات تسويق، واتفاقات عرض، وإدارة حقوق، وقدرة على قراءة ذائقة الجمهور من دون تسطيح المحتوى.
توجد أيضاً مسألة جغرافية. الإيرادات الأكبر في السوق السعودية تأتي من المدن الكبرى، وفي مقدمتها الرياض ومكة والمنطقة الشرقية. اتساع قاعدة السينما يتطلب أن تخرج فرص العرض والتدريب والإنتاج من مركزية المدن الأكثر قدرة شرائية. وجود مهرجان مهم في الظهران يمنح المنطقة الشرقية موقعاً مؤثراً في المشهد، لكن الصناعة تحتاج إلى شبكة أوسع من الورش والمختبرات والمسارات التعليمية في أكثر من مدينة. المواهب لا تظهر دائماً قرب المؤسسات الكبرى.
ولا يمكن عزل السينما عن الاقتصاد الثقافي الأوسع. الفيلم لا يخلق عائداً من التذكرة فقط. حوله يعمل كتّاب ومصورون ومونتيرون ومهندسو صوت ومصممو أزياء ومواقع تصوير وشركات نقل وإقامة وتسويق ومنصات. كل فيلم ينجز داخل البلد يترك جزءاً من إنفاقه في هذه السلسلة. لهذا تتعامل الدول مع السينما كقطاع اقتصادي وثقافي في آن واحد. السعودية بدأت تبني أدوات هذا القطاع، والسؤال الآن يتعلق بكفاءة الربط بين الدعم العام والمبادرة الخاصة، وبين الطموح الدولي والحاجة إلى جمهور محلي مستقر.
الخلاصة أن مهرجان الفيلم السعودي في إثراء يقدم صورة عن مرحلة انتقالية في السينما السعودية. لم يعد الحديث يدور حول افتتاح قاعات أو تنظيم فعالية جديدة فقط، بل حول قدرة منظومة كاملة على تحويل المواهب والمشاريع والجوائز إلى إنتاج منتظم وسوق أوسع. الأرقام الحالية مشجعة، خصوصاً في سوق الإنتاج وحجم شباك التذاكر، لكنها تضع القطاع أمام مطالب واضحة. مزيد من الأفلام السعودية القادرة على المنافسة، توزيع أوسع، تدريب مهني أعمق، وتمويل لا ينقطع عند حدود المناسبة. عندما تتحقق هذه الشروط، يصبح المهرجان محطة داخل صناعة نامية، لا حدثاً جميلاً ينتظر دورة جديدة كل عام.
اقرأ أيضاً: الفيلم الذي أرعب العالم تصدّر شباك التذاكر السعودي!

