لم تعد العلاقة بين موسكو والرياض تُقاس فقط بعدد البراميل التي تدخل السوق أو تخرج منه. صحيح أن النفط يبقى في قلب العلاقة، لكن لقاءات العام 2026 تكشف اتساع جدول المصالح إلى التجارة والاستثمار والأمن الإقليمي والغذاء والسياحة وحتى أمن الممرات البحرية. وفي 22 أيلول، حين تحدث فلاديمير بوتين ومحمد بن سلمان هاتفياً، كان مضيق هرمز وباب المندب حاضرين بقوة إلى جانب العلاقات الثنائية.
التحول لا يعني أن النفط فقد مركزه. على العكس، ما زالت السعودية وروسيا تعملان معاً داخل «أوبك+»، وما زالت قرارات الإنتاج والتعويض واستقرار السوق من أكثر الملفات حساسية بينهما. لكن العلاقة صارت أكثر تشعباً من أن تُختزل في معادلة منتجين يتفقان على سعر أو كمية. واللافت أن هذا الاتساع يجري في سنة تحتفل فيها الرياض وموسكو بمرور مئة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
النفط يبقى في الغرفة
في 6 سبتمبر، أكدت السعودية وروسيا وست دول أخرى في «أوبك+» التزامها باستقرار السوق، وقررت الإبقاء على مستويات إنتاج محددة لشهر أكتوبر. وقبل ذلك، في أغسطس، اتفقت الدول السبع الأساسية في المجموعة على زيادة قدرها 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من سبتمبر، ضمن استكمال عكس التخفيضات الطوعية التي بدأت في 2023. هذه القرارات تذكّر بأن الطاقة لا تزال البنية الصلبة للعلاقة.
لكن التفاهم النفطي لا يعني تطابق المصالح في كل شيء. كل دولة توازن بين حاجتها إلى الإيرادات، وحصتها السوقية، وسعر الخام، والعلاقات مع المستهلكين. لذلك فإن استمرار التنسيق داخل «أوبك+» مهم بحد ذاته، لكنه لا يلغي التنافس والحسابات المختلفة في سوق عالمية شديدة التقلب.
من البرميل إلى الاستثمار
في حزيران، وقعت السعودية وروسيا 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة معلنة بلغت 4.8 مليار ريال، وتوزعت على مجالات بينها الأمن الغذائي والتقنيات الحيوية واللقاحات البيطرية والدواجن وتصدير منتجات سعودية إلى روسيا. قيمة الاتفاقيات ليست دليلاً تلقائياً على استثمارات منفذة، لكنها تكشف نوع الملفات التي تحاول العلاقة الانتقال إليها.
كما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أيلول إن التجارة الثنائية ارتفعت بنحو 40% في 2025، فيما تحدث عن فرص للتعاون السياحي، مشيراً إلى زيادة عدد السياح السعوديين في روسيا. هذه الأرقام والتقديرات الرسمية تحتاج إلى قراءة زمنية، لكنها تشير إلى أن قنوات الاتصال الاقتصادي باتت أوسع من قطاع الطاقة وحده.
السياسة تدخل على خط الاقتصاد
زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى موسكو في 8 سبتمبر حملت بعداً سياسياً واضحاً. ناقش الطرفان التطورات الإقليمية والدولية، وفلسطين واليمن، وأمن الملاحة في هرمز وباب المندب، إلى جانب التجارة والاستثمار والتعاون المؤسسي. وبعد أسبوعين، جاء اتصال بوتين ومحمد بن سلمان في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تركيز على أمن الملاحة وانعكاس التصعيد على الاقتصاد العالمي.
هذا التداخل مهم لأن السعودية تنظر إلى اقتصادها في إطار أوسع من عائدات النفط، فيما تحاول روسيا الحفاظ على قنوات اقتصادية وسياسية متعددة في بيئة دولية ضاغطة. ولذلك يصبح التعاون في الغذاء والسياحة والتجارة، وحتى النقاش حول الممرات البحرية، جزءاً من إدارة المخاطر وليس مجرد تنويع تجميلي في قائمة الاتفاقيات.
علاقة تتسع من دون أن تخرج من النفط
يمكن أن يتغير شكل العلاقة بين موسكو والرياض من دون أن يتغير مركز الثقل فيها بالكامل. النفط ما زال نقطة الالتقاء الأكثر صلابة، لكن حوله تتراكم ملفات أخرى تجعل العلاقة أكثر شبكاً وأقل اختصاراً. وربما تكمن دلالة المرحلة الجديدة في أن السؤال لم يعد فقط ماذا ستفعل روسيا والسعودية في سوق الخام، بل كيف ستدير دولتان ثقيلتان مصالحهما في تجارة واستثمار وأمن إقليمي يتغير بسرعة. البرميل لم يغادر المشهد؛ فقط لم يعد المشهد كله.
اقرأ أيضاً: الهيئة السعودية للسياحة تروج للسياحة السعودية في موسكو

