قبالة صحار تقف ناقلتان جنباً إلى جنب، وبينهما خراطيم تعبر فوق الماء. لا يبدو المشهد في عظمة أنبوب يمتد 1200 كيلومتر عبر الصحراء، لكنه يؤدي وظيفة عاجلة تشبه الجسر المؤقت بعد سقوط الطريق.
بعد أن أخرجت هجمات بالمسيّرات خط الشرق والغرب من الخدمة، عرضت أرامكو على مشترين آسيويين تحميل الخام العربي الخفيف والمتوسط والثقيل عبر نقل من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز. وفي أسبوع واحد تضاعف التحميل من رأسي تنورة والجعيمة داخل الخليج إلى نحو أربعة ملايين برميل يومياً. الفكرة ذكية، لكن وصفها بطريق بديل يحتاج إلى قدر من الحذر.
كيف حلت الناقلة مكان الأنبوب
كان خط الشرق والغرب يأخذ الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، فيخرج إلى السوق من دون عبور هرمز. وعندما تضرر الخط في 11 سبتمبر توقفت التحميلات من ينبع، وتأخرت شحنات آسيوية وأُبلغ زبائن أوروبيون بإلغاء بعض كميات الشهر. المخزون في المرافئ الغربية يستطيع شراء أيام، لا صناعة تدفق دائم.
جاءت الخطة البحرية لتفعل العكس تقريباً. تحمل ناقلات كبيرة أو مخصصة للنقل الخام من الموانئ السعودية داخل الخليج، ثم تبحر به إلى المياه قبالة صحار، حيث تسلمه إلى ناقلة المشتري. أظهرت بيانات تتبع أن أربع ناقلات عملاقة قادرة على حمل ثمانية ملايين برميل كانت تحمّل في رأس تنورة يوم 16 سبتمبر.
بهذه الطريقة لا يحتاج كل مشترٍ إلى إرسال سفينته إلى الميناء السعودي في لحظة أمنية مضطربة، وتستطيع أرامكو تجميع الحركة في أسطول تعرفه وتديره ثم إنشاء نقطة تسليم أقرب إلى البحر المفتوح.
صحار خارج هرمز لكن الخام عبره
هنا تقع المفارقة. ميناء صحار خارج المضيق فعلاً، أما النفط الذي انطلق من رأس تنورة أو الجعيمة فقد اضطر إلى عبوره كي يصل إليها. الناقلة لم تحفر ممراً جديداً في الجغرافيا، بل نقلت المخاطرة من سفن كثيرة يملكها المشترون إلى رحلات مكوكية تنفذها سفن مؤمنة ومخطط لها مركزياً.
هل يجعل ذلك الفكرة بلا قيمة؟ بالعكس. تقليل عدد الجهات التي تدخل المنطقة الخطرة، وتوحيد التوقيت، وتسليم الخام في نقطة يقبلها المشتري، كلها أدوات مرونة. لكنها لا تمنح المملكة ما كان يمنحه الأنبوب، وهو إخراج ملايين البراميل من الساحل الغربي من دون لمس هرمز أصلاً.
لذلك لا ينبغي أن تتحول الاستجابة التشغيلية إلى رواية عن تجاوز المضيق. نجاحها مرهون ببقاء عبور محدود ممكناً، وبقدرة الناقلات السعودية على الذهاب والعودة، وبألا ينتقل الخطر إلى ساحل عمان أو عمليات النقل نفسها.
المرونة لها فاتورة
النقل بين سفينتين عملية مألوفة في تجارة النفط، إلا أنها تضيف موعداً وحركة وربطاً فنياً وتأميناً ومراقبة للطقس. كل تأخير يحبس ملايين الدولارات في هيكل عائم، وكل خطأ في الخرطوم أو التموضع قد يتحول إلى تلوث وحادث لا يحتمله وقت الحرب.
كما تحتاج الخطة إلى ناقلات مكوكية لا تعمل في رحلة العميل العادية، وإلى غطاء تأميني في مياه ارتفعت فيها علاوة الحرب. وقد يفيد المسار آسيا لأنها الوجهة الطبيعية شرق صحار، لكنه لا يعوض بسهولة شحنات أوروبا التي كانت تخرج من ينبع إلى البحر الأحمر ثم المتوسط.
ومع ذلك التقط السوق الرسالة. تراجعت أسعار النفط بعد تقارير زيادة المعروض عبر عمان، لأن التجار رأوا أن أرامكو لم تفقد كل قدرتها على التسليم. أحياناً تكون قيمة الطريق الاحتياطي في البراميل التي ينقلها، وأحياناً في الخوف الذي يمنعه من التحول إلى سعر.
ما بعد الحل المؤقت
قال وزير الطاقة الأميركي إن الخط قد يعود خلال أيام، بينما تحدثت مصادر أخرى عن أسابيع وإمكان تشغيل جزئي أثناء الإصلاح. هذا التباين وحده يشرح لماذا تحتاج أرامكو إلى أكثر من موعد متفائل. فالأنبوب أصل استراتيجي، وإصابته كشفت أن البديل نفسه قد يصبح هدفاً حين تتغير جبهة الحرب.
يبدأ الدرس بإصلاح الخط وحمايته وتوزيع نقاط التحكم والمخزون، ولا ينتهي عنده. تحتاج المملكة إلى قدرة تحميل مرنة على الساحلين، وعقود سفن جاهزة، وتمارين دورية للنقل البحري، ومسارات اتفاق مع عمان ومصر. أمن الصادرات لا يعني امتلاك طريق ثانٍ فقط، بل ألّا يؤدي سقوط طريق واحد إلى ارتباك الشبكة كلها.
في الختام، ابتكرت أرامكو جسراً بحرياً سريعاً يحفظ جزءاً من التدفق ويمنح العملاء نقطة تسليم خارج هرمز. لكنه ليس أنبوباً عائماً يتجاوز المضيق، بل طريقة أكثر تنظيماً لعبوره ثم نقل الخام بعده.
ستنفصل الناقلتان قبالة صحار وتمضي كل واحدة في اتجاه. عندها يكون النفط قد وجد طريقه، إنما يبقى السؤال الاستراتيجي على سطح الماء.. كم مرة يستطيع الجسر المؤقت أن يعمل قبل أن يحتاج الطريق الأصلي إلى العودة؟
اقرأ أيضاً: نجران وأرامكو: ماذا يعني عودة استهداف العمق السعودي في زمن الحرب الإقليمية؟

