وُقّعت مؤخراً مذكرة تفاهم بين الصين والسعودية، وحملت أسئلة كبيرة: هل كانت هذه اللحظة إيذاناً بانضمام رسمي للسعودية إلى مبادرة الحزام والطريق، أم أنها حلقة أخرى في سلسلة تعاون تتعمّق منذ سنوات؟ في 29 أغسطس 2025، شهد رئيس الجهاز التنفيذي لهونغ كونغ جون لي ووزير الاستثمار السعودي خالد الفالح توقيع مذكرة بين مكتب الحزام والطريق في هونغ كونغ ووزارة الاستثمار السعودية، تركز على تبادل المعلومات في مشاريع البنية التحتية وتسهيل دخول الخدمات المهنية من هونغ كونغ إلى السوق السعودية.
ما الذي تعنيه مذكرة هونغ كونغ بالنسبة إلى مبادرة الحزام والطريق؟
تنصّ المذكرة على أن تتبادل الجهتان المعلومات حول المشروعات، وأن يساهم الجانب السعودي في إزالة العوائق التي قد تواجه شركات هونغ كونغ عند دخولها المناقصات والتمويل داخل المملكة، مقابل تعريف الجانب الصيني بخدمات المدينة المالية والقانونية، بما يحوّل هونغ كونغ إلى منصّة مساندة للترويج والاستثمار والطرح. هذا تعاونٌ تنفيذي عملي، لا «عضوية» مؤسسية؛ فالمبادرة ليست منظمة بعضوية رسمية بقدر ما هي إطار تعاون تُبنى فيه الشراكات عبر مذكرات ثنائية.
بين الرمزية والواقع: هل «انضمت» السعودية حقاً؟
السؤال هنا لغوي أكثر منه قانوني. السعودية منخرطة بالفعل في مشاريع واتفاقات توازي أهداف المبادرة، وتعمل منذ سنوات على مواءمة شراكاتها مع الصين مع مستهدفات رؤية 2030، وهو ما تؤكده اللقاءات الاقتصادية المتكررة وتصريحات رسمية صينية وسعودية عن «مواءمة» مبادرة الحزام والطريق مع الرؤية. لذا فمذكرة هونغ كونغ لا تنقل المملكة من خارجٍ إلى داخل، بل تزيد عمق التداخل القائم أصلاً. كما أن مراكز بحث مختصة تعدّ الدول «منضمة» حين توقّع مذكرات تعاون مرتبطة بالمبادرة، وهو ما يضع السعودية ضمن خريطة المشاركة بحسب رصد أكاديمي مستقل.
لماذا هونغ كونغ بالذات؟
الجواب قصير: لأنها ذراع تمويل وخدمات احترافية على تخوم الصين القارية. فالمذكرة تمنح الشركات الاستشارية والقانونية والهندسية في هونغ كونغ مساراً أسرع إلى مشاريع البنية التحتية السعودية، وتمنح الرياض قناة تمويل وترتيب صفقات عبر أسواق آسيوية عميقة تتعامل بعملات متنوعة وأدوات دين وأسهم. وهذا ينسجم مع توجّه أوسع لتعظيم الاستفادة من الصين كمصدر استثمار وتقنية، لا كمشترٍ للنفط فقط، إذ تحوّلت العلاقات في السنوات الأخيرة نحو تقنيات الطاقة النظيفة وسلاسل الإمداد الصناعية، وارتفعت الاستثمارات الخضراء الصينية في المملكة بصورة لافتة.
ما الذي يتغيّر على الأرض؟
إذا كانت مبادرة الحزام والطريق عنواناً كبيراً، فإن المذكرة هي دليل الاستخدام. ستتدفق معلومات المشاريع السعودية الكبرى بصورة منهجية إلى مجتمع الأعمال في هونغ كونغ، مع نافذة للتغلب على متطلبات الدخول والامتثال، فيما تُتاح للجانب السعودي شبكة تمويل وخدمات متخصّصة تُسرّع الإقفال المالي وتنافسية العطاءات. وفي الخلفية، يستمر المسار السياسي-الاقتصادي بين بكين والرياض عبر حوارات تركّز على مواءمة المبادرة مع رؤية 2030، مع اهتمام خاص بالطاقة الجديدة وسلاسل الإمداد ورؤوس الأموال، ما يمهّد لصفقات أوسع تتجاوز المقاولات إلى الشراكات الصناعية والتقنية. بهذا المعنى، تتعامل الرياض مع مبادرة الحزام والطريق كصندوق أدوات يخدم أولوياتها، لا كهيكل تنضم إليه وحسب.
خلاصة الأمر
لم تصبح السعودية «جزءاً» من مبادرة الحزام والطريق في أغسطس 2025 لأنها كانت كذلك عملياً منذ سنوات. الجديد أن قناة هونغ كونغ أضيفت إلى شبكة الأدوات، لتسريع تنفيذ المشروعات وجذب الخدمات والاستثمارات النوعية بما يخدم رؤية 2030. هي خطوة أخرى في مسارٍ براغماتي يفضّل النتائج على الشعارات، ويضع المبادرة في مكانها الطبيعي: شراكة عملية متدرجة، وليست بطاقة عضوية تُعلّق على الجدار.
اقرأ أيضاً: أول قمة تعقد بين الخليج و«آسيان» والصين.. ماذا جرى فيها؟!

