استطاعت المملكة العربية السعودية دون شك وضع بصمتها في الكثير من الرياضات، وقدمت رعايتها المالية واللوجستية لها، حتى تحولت إلى مركز رياضي عالمي. وبالنظر إلى استثماراتها في قطاع الرياضة يمكن ملاحظة استضافتها بطولات عالمية في عدة رياضات، بالإضافة إلى الحصول على حق تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2034، وهو أحد أكبر الأحداث الرياضية في العالم.
لكن في نهاية موسم 2025، حدث تحول مهم بعد إعلان صندوق الاستثمارات العامة وقف تمويل بطولة LIV Golf، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل الاستثمارات الرياضية السعودية.
لماذا حدث التغيير في الاستراتيجية؟
جاء قرار الانسحاب بعد مراجعة شاملة للسياسات الاستثمارية، حيث أكد صندوق الاستثمارات العامة أنه لا يزال ملتزماً بالاستثمار في الرياضة، ولكن بطريقة أكثر تركيزاً على تحقيق عوائد مالية مستدامة على المدى الطويل.
هذا التحول لم يكن مفاجئاً تماماً، بل جاء نتيجة عدة عوامل اقتصادية وسياسية. فقد سجلت المملكة عجزاً في الميزانية بلغ حوالي 73 مليار دولار أمريكي خلال العام الماضي، بسبب زيادة الإنفاق الحكومي وانخفاض عائدات النفط. كما أن التوترات في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدّ إيران، أثرت على الاقتصاد وزادت من الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات المالية، بما في ذلك زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في إدارة الرياضة يوهان ريويلاك من جامعة لوبورو أن الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034 في السعودية يتطلب استثمارات ضخمة جداً في البنية التحتية، وهو ما يجعل الحكومة بحاجة إلى إعادة توزيع مواردها المالية بشكل أكثر دقة.
وقد انعكس هذا التغيير أيضاً على بعض القرارات الأخرى، مثل تأجيل أو إعادة النظر في استضافة بعض الفعاليات الرياضية الدولية، بالإضافة إلى إلغاء أو نقل بعض البطولات التي كانت مخططة داخل المملكة.
كيف تغيرت أولويات الاستثمار الرياضي؟
رغم انسحاب السعودية من بعض المشاريع مثل LIV Golf، فإن ذلك لا يعني توقف الاستثمار الرياضي، بل يعني إعادة توجيه هذا الاستثمار نحو مجالات أكثر أهمية واستدامة داخل المملكة.
أصبحت الأولوية الآن للرياضات التي لها شعبية واسعة بين الشباب السعودي، وكذلك تطوير المواهب المحلية بدل الاعتماد الكبير على استقطاب نجوم عالميين برواتب ضخمة كما حدث في السنوات السابقة مع لاعبين كبار مثل كريستيانو رونالدو.
كما لا تزال بعض الرياضات تحظى بدعم قوي، خاصة رياضة الملاكمة، حيث يقود تركي آل الشيخ تنظيم نزالات عالمية كبرى، من بينها نزالات يشارك فيها الملاكم البريطاني أنتوني جوشوا.
وفي الوقت نفسه، توسعت المملكة في مجال الرياضات الإلكترونية، وأصبحت تنظم بطولات عالمية فيها، بالإضافة إلى خطط لإقامة بطولات جديدة في رياضات مثل الكريكيت. كما تستعد السعودية لاستضافة كأس آسيا لكرة القدم لأول مرة في تاريخها، وهو حدث مهم على مستوى القارة الآسيوية. كما يتم العمل على تطوير بنية رياضية حديثة، مثل بناء حلبة سباق فورمولا 1 جديدة بالقرب من العاصمة الرياض.
أما على مستوى الاستثمارات الخارجية، فما زال صندوق الاستثمارات العامة يحتفظ بملكيته في نادي نيوكاسل يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز، مما يشير إلى استمرار بعض المشاريع طويلة الأمد رغم التغييرات الأخرى.
باختصار، يمكن القول إن قرار وقف تمويل بطولة LIV Golf لا يعني تراجع السعودية عن الاستثمار في الرياضة، بل هو جزء من تغيير أوسع في طريقة إدارة هذه الاستثمارات. فالمملكة ما زالت ترى في الرياضة جزءاً مهماً من رؤيتها المستقبلية، لكنها أصبحت حريصة أكثر على اختيار المشاريع التي تحقق فائدة اقتصادية واضحة وتخدم أهداف التنمية.
اقرأ أيضاً: استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة 2026-2030 عن أولويات السعودية الجديدة

