يختلف منطق الشعوب عن منطق الحكومات في التعامل مع الأزمات السياسية والاقتصادية عند اندلاع الحروب، فتبقى المجتمعات رهينة مخاوفها الغذائية مهما سعت الحكومات لطمأنتها. فماذا لو كانت هي بالأصل شعوباً لم تعتد الحروب، ولم تعش أزماتها بأركانها المتكاملة؟
تغير سلوك المستهلكين في منطقة الخليج العربي، على إثر تصاعد التوترات الناجمة عن الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وما تبعها من تداعيات أمنية واقتصادية على بلدان الخليج. ففي الأيام الأولى للتصعيد، ظهر قدر من القلق لدى بعض السكان، انعكس في زيادة الإقبال على شراء السلع الغذائية الأساسية تحسباً لأي اضطرابات محتملة في الإمدادات.
لذلك سارعت الحكومات الخليجية إلى طمأنة الأسواق، مؤكدة أن المخزون الغذائي الاستراتيجي كافٍ وأن سلاسل الإمداد لا تزال تعمل بصورة طبيعية، في محاولة لمنع أي حالة قلق قد تؤدي إلى اضطراب في الطلب.
زيادة الطلب بدافع القلق
من الطبيعي أن تظهر تغيرات في سلوك المستهلكين في بداية الأزمات الكبرى. فمع تصاعد الأخبار والتوقعات غير الواضحة، يلجأ بعض الناس إلى شراء كميات أكبر من المعتاد من المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والدقيق والزيوت، بهدف الاحتفاظ بها في المنازل.
يعرف هذا السلوك اقتصادياً بما يسمى “صدمة الطلب”، حيث يرتفع الطلب على السلع بسرعة بسبب عوامل نفسية أو مخاوف مستقبلية، حتى لو كانت الإمدادات المتاحة في الأسواق مستقرة.
وخلال الأيام التي أعقبت التصعيد في المنطقة، رصدت بعض المتاجر في دول الخليج زيادة في حجم المشتريات، ما أدى أحياناً إلى نفاد بعض السلع مؤقتاً من الرفوف قبل أن تعود سريعاً بعد إعادة التزويد. ويؤكد خبراء الاقتصاد أن مثل هذه الحالات غالباً ما تكون مؤقتة، لأن المشكلة لا تكون في نقص المعروض، بل في زيادة الطلب لفترة قصيرة بسبب القلق.
إجراءات حكومية للحفاظ على استقرار الأسواق
مع ظهور هذه المؤشرات، تحركت الحكومات الخليجية سريعاً لاحتواء الموقف ومنع أي تقلبات في الأسواق. فقد ركزت الإجراءات على مراقبة الأسعار وضمان استمرار تدفق السلع، إلى جانب توجيه رسائل طمأنة للمستهلكين.
ففي الإمارات، شددت الجهات المختصة الرقابة على الأسواق وأكدت أن نظام الأمن الغذائي في الدولة يتمتع بقدرة عالية على التعامل مع الأزمات. كما أشارت وزارة الاقتصاد إلى أن عمليات الاستيراد تسير بشكل طبيعي، وأن منصة رقمية تتابع الأسعار والمخزون في مئات منافذ البيع، بهدف اكتشاف أي تغيرات مبكرة في السوق.
أما في قطر، فقد اعترفت وزارة التجارة والصناعة بوجود ضغط أولي على بعض المتاجر نتيجة الإقبال المفاجئ من المستهلكين، لكن هذا الضغط كان مؤقتاً. ولتقليل الازدحام وتسريع تلبية الطلب، جرى توسيع ساعات عمل بعض منافذ البيع لتعمل على مدار الساعة.
وفي الكويت، اتخذت الحكومة خطوة أكثر مباشرة لحماية السوق المحلية، إذ قررت وقف تصدير جميع السلع الغذائية مؤقتاً. ويعد هذا النوع من القرارات أداة تستخدمها الدول خلال الأزمات لضمان بقاء الإمدادات داخل السوق المحلية ومنع أي نقص محتمل.
كما كثفت السعودية حملات التفتيش على الأسواق، حيث نفذت آلاف الجولات الرقابية خلال أسبوع واحد للتأكد من توافر السلع والتزام المتاجر بإظهار الأسعار بوضوح.
الاعتماد على الاستيراد وبناء مخزون استراتيجي
تعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على الأسواق العالمية لتأمين احتياجاتها الغذائية. وتشير تقديرات دولية إلى أن نحو 85% من الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي يتم استيراده من الخارج، بسبب محدودية الأراضي الزراعية وندرة المياه.
ولهذا السبب، عملت حكومات المنطقة خلال السنوات الماضية على إنشاء مخزونات استراتيجية من السلع الأساسية تكفي لفترات طويلة. ففي الإمارات على سبيل المثال، يكفي المخزون الغذائي لتغطية احتياجات السوق لمدة تتراوح بين أربعة وستة أشهر. وفي قطر يتجاوز المخزون الاستراتيجي ستة أشهر من الاستهلاك المحلي.
بينما تواصل المملكة تعزيز مخزونها من الحبوب، إذ أعلنت الهيئة العامة للأمن الغذائي شراء نحو 794 ألف طن من القمح في مناقصة دولية خلال مارس، وذلك بعد صفقة سابقة تجاوزت 900 ألف طن في يناير. كما تعمل على رفع مستوى الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الغذائية الأساسية واللحوم، حيث تجاوزت نسبة الإنتاج المحلي في هذه القطاعات 60% حتى نهاية العام الماضي.
وتوفر هذه المخزونات الاستراتيجية للدول الخليجية وقتاً كافياً للتعامل مع أي اضطرابات مفاجئة في سلاسل الإمداد أو مع موجات شراء استثنائية في الأسواق، إذ يمكنها تلبية الطلب المحلي لعدة أشهر حتى في حال تأخر الشحنات أو تعطل بعض مسارات النقل.
وتصل هذه الإمدادات عبر شبكة واسعة من سلاسل التوريد العالمية التي تربط الخليج بمناطق إنتاج الحبوب والمواد الغذائية في أوروبا والأميركتين وأستراليا ومنطقة البحر الأسود. ويعتمد جزء كبير من هذه التجارة على النقل البحري عبر مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
كما تلعب الموانئ الإقليمية دوراً محورياً في توزيع الغذاء داخل المنطقة. فميناء جبل علي في دبي على سبيل المثال، يعد من أبرز المراكز اللوجستية التي تستقبل الحبوب والسلع الغذائية قبل إعادة توزيعها داخل الإمارات وإلى دول خليجية أخرى، ويخدم هذا الميناء نحو 50 مليون مستهلك.
ويعتمد الجزء الأكبر من هذه التجارة على النقل البحري، إذ تمر معظم الشحنات عبر مضيق هرمز الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي، ويعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتشير بيانات شركة تتبع السلع “كبلر” إلى أن دول الخليج استوردت العام الماضي نحو 30 مليون طن من الحبوب، مر معظمها عبر هذا المضيق.
خبرات سابقة ساعدت على الاستعداد
لم تأتِ هذه الاستجابة الحكومية السريعة من فراغ، بل هي نتيجة خبرات تراكمت خلال أزمات سابقة واجهتها المنطقة. ففي بداية جائحة كورونا عام 2020، شهدت أسواق الخليج موجة مشابهة من الشراء بدافع القلق، لكن الأسواق استقرت بعد فترة قصيرة بفضل تدخل الحكومات واستمرار تدفق الإمدادات.
كما دفعت أزمات أخرى مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 واضطرابات أسواق الحبوب بعد الحرب في أوكرانيا عام 2022 دول الخليج إلى إعادة النظر في سياسات الأمن الغذائي. ومنذ ذلك الحين، توسعت الاستثمارات في الزراعة المحلية والتكنولوجيا الزراعية، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد وبناء احتياطيات أكبر من السلع الأساسية.
طرق بديلة في حال تعطل الملاحة
تعتمد عدة دول خليجية على موانئ داخل الخليج العربي مثل ميناء الملك عبد العزيز في الدمام وميناء حمد في قطر وميناء خليفة بن سلمان في البحرين، وهي موانئ ترتبط تجارتها بشكل مباشر بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي المقابل، تمثل الموانئ المطلة على البحر الأحمر مساراً مهماً لوصول جزء من الإمدادات الغذائية، خاصة للشحنات القادمة من أوروبا ومنطقة البحر الأسود والأميركتين عبر البحر المتوسط وقناة السويس.
وتبرز السعودية في هذا السياق بفضل موانئها على البحر الأحمر، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع التجاري، اللذين يستقبلان شحنات من الحبوب والمواد الغذائية قبل نقلها إلى داخل المملكة أو إلى أسواق خليجية أخرى عبر الطرق البرية. ويوفر هذا المسار قدراً من التنوع في طرق الإمداد، رغم أن الجزء الأكبر من الواردات لا يزال يصل عبر الموانئ الواقعة داخل الخليج.
لكن في حال حدوث اضطراب كبير في الملاحة عبر مضيق هرمز، قد تلجأ بعض الدول إلى تحويل جزء من الشحنات إلى موانئ خارج الخليج. فالسعودية تستطيع استقبال الواردات عبر موانئ البحر الأحمر.
ومع ذلك، فإن هذه البدائل لا توفر دائماً القدرة اللوجستية نفسها التي توفرها الموانئ الرئيسية داخل الخليج. فميناء الفجيرة، على سبيل المثال، مصمم أساساً لتصدير الطاقة والأسمدة، ولا يمتلك الطاقة نفسها لمناولة الحاويات مقارنة بميناء جبل علي.
وتبقى الكويت وقطر والبحرين الأكثر عرضة للتأثر في حال تعطل الملاحة عبر المضيق، نظراً لعدم امتلاكها موانئ كبيرة خارج الخليج واعتمادها بشكل أكبر على مسارات الإمداد عبر السعودية والإمارات.
وفي الحالات الاستثنائية، قد تلجأ الدول إلى النقل الجوي لبعض السلع الغذائية سريعة التلف مثل الخضار والفواكه لضمان استمرار توفرها في الأسواق.
باختصار، على الرغم من التوترات الإقليمية، والإقبال المتزايد للمستهلكين على المواد الغذائية، يبدو أن أسواق الخليج قادرة على استيعاب هذه الظروف. خصوصاً في ظل وجود تجارب سابقة تنم عن أن هذا الإقبال غالباً ما يكون مؤقتاً، وسرعان ما تعود الأسواق إلى طبيعتها.
اقرأ أيضاً: النفط في ظل التوترات الحالية: هل نشهد قفزة جديدة في الأسعار؟

