يتمتع السوق العقاري في مكة والمدينة المنورة بخصوصية استثنائية، نظراً لمكانتهما الدينية، بالتالي يخضع تملك الأجانب للعقارات إلى ضوابط وشروط خاصة تختلف عن بقية مناطق المملكة.
على الرغم من أن النظام السابق تضمن استثناءات محددة، من بينها انتقال الملكية بالميراث، إلا أن تملك غير السعوديين للعقارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كان شبه مغلق ويخضع لضوابط واشتراطات خاصة.
اليوم ومع دخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، تطرح عدة تساؤلات حول مدى إمكانية تملك الأجانب للعقارات في المدينتين المقدستين، ومن يحق له ذلك، وما الشروط التي تحكمه.
في هذا المقال، نسلط الضوء على أبرز أحكام النظام الجديد بخصوص التملك في مكة والمدينة، ونستعرض كيف يستعد السوق العقاري السعودي لاستقبال المستثمرين الدوليين.
لماذا يحظى التملك في مكة والمدينة بالاهتمام؟
بدايةً لا بدّ من الوقوف عند حجم السوق العقاري في المدينتين المقدستين، اللتين تُعتبران من أكثر الأسواق العقارية حيويةً ونمواً في المملكة، نظراً لمكانتهما الدينية، والطلب المستمر على العقارات السكنية والتجارية والفندقية، إلى جانب المشاريع التنموية الكبرى، وبرامج التملك السكني.
وبلغة الأرقام نتحدث، وفقاً لبيانات السوق العقاري في السعودية، واصلت منطقة مكة المكرمة الحفاظ على مركزها الثاني، كأكبر سوق عقاري في المملكة العربية السعودية، وذلك من حيث قيمة الصفقات العقارية خلال شهر يونيو 2026، بعد منطقة الرياض.
فقد جاءت الرياض في صدارة المناطق الرئيسية من حيث قيمة الصفقات، التي وصلت إلى 8.04 مليار ريال، أي بنسبة 34% من إجمالي قيمة الصفقات في السوق، تليها مكة المكرمة بقيمة نحو 6.45 مليار ريال وبحصة 27%.
نمو مستمر في المدينة المنورة
كذلك الأمر بالنسبة للمدينة المنورة، فهي تشهد نمواً مستمراً في الصفقات العقارية، والتي تصل قيمتها إلى مليارات الريالات، ووفقاً للبيانات الرسمية لعام 2025، فإن القطاع السكني الذي يشكل المحرك الأساسي للسوق، شهد نشاطاً كبيراً، حيث وصلت قيمة الصفقات إلى 1.4 مليار ريال تقريباً، عبر تسجيل ما يزيد عن 11 ألف صفقة.
كما شهد القطاع التجاري في المدينة المنورة تسجيل صفقات عقارية، تقارب قيمتها 1.5 مليار ريال سعودي، من خلال إبرام نحو 740 صفقة في عام 2025.
كيف يستعد السوق العقاري السعودي لاستقبال المستثمرين الدوليين؟
تواصل المملكة العربية السعودية جهودها في جذب المستثمرين الدوليين، وتعزيز فرص الاستثمار، بما ينسجم مع مستهدفات تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسية القطاعات الحيوية، وصولاً إلى تحسين جودة الحياة.
بالتالي، يبرز تحديث الأنظمة والتشريعات المرتبطة بالتملك والاستثمار، واحداً من الخطوات الاستراتيجية لتعزيز تنافسية السوق العقاري السعودي، وتُدعم هذه الخطوة بمبادرات وفعاليات تعريفية تعمل كبوصلة داعمة لتسهيل دخول المستثمرين الدوليين إلى البلاد.
وهنا يأتي دور الجهات والمؤسسات المتخصصة في المملكة العربية السعودية في تعريف المستثمر الأجنبي بالتشريعات الجديدة، عبر خطوات مدروسة قادرة على تكوين صورة شاملة لطبيعة السوق العقاري السعودي.
وقد تكون هذه الإجراءات على شكل فعاليات تعرّف وترسم ملامح السوق السعودي للخارج، والتي تنشط كثيراً خلال الفترة الأخيرة، من بينها معرض العقار السعودي البريطاني (UK-Saudi Real Estate Exhibition) في لندن، الذي تنظمه شركة البوابة الدولية للاستثمار (IIG)، في مطلع شهر أغسطس 2026، في الفترة الواقعة بين 2 و4 أغسطس.
الفئات المشمولة بأحكام النظام المحدث
صدر نظام تملك غير السعوديين للعقار المحدث، ليكون بوصلةً تنظيمية تحدد الفئات المشمولة بأحكامه، وهي الأفراد المقيمون وغير المقيمين، إضافةً إلى حاملي الإقامة المميزة ومواطني دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الشركات غير السعودية، مع الجهات والكيانات غير الربحية الأجنبية، بالإضافة إلى فئات أخرى من الأشخاص الاعتباريين وفقاً للأنظمة واللوائح ذات الصلة.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن شمولية هذه الفئات، لا تعني أنها جميعها مؤهلة لحق التملك في مكة والمدينة، فالشروط تختلف بحسب نوع الجهة المستفيدة (فرد أو كيان) والموقع الجغرافي ونوع الحق العقاري وفق الضوابط المنظمة.
التملك في المدينتين المقدستين
الآن ندخل في لبّ الموضوع، هل يمكن لغير السعوديين التملك في مكة والمدينة، وفقاً للنظام الجديد؟
نعم يمكن لبعض الفئات التملك ولكن وفقاً لضوابط وشروط خاصة، تنبع من أهمية مكانتهما الدينية، وتختلف بحسب صفة المالك وطبيعة الكيان.
فبالنسبة للأفراد غير السعوديين، يقتصر التملك على الأشخاص الطبيعيين المسلمين، مع تحديد نطاقات جغرافية للتملك، بإشراف مباشر من الجهات المختصة، كما يرتبط ذلك باستيفاء متطلبات الأهلية والإجراءات النظامية المعتمدة.
أما الشركات والكيانات التي يساهم فيها غير سعوديين، فيمكنها أيضاً التملك ضمن نطاقات وضوابط خاصة، وذلك عند اكتساب بعض الحقوق العقارية داخل النطاقات المحددة، وفقًا لنظام تملك غير السعوديين للعقار ولائحته التنفيذية، وبحسب طبيعة الكيان ونوع الحق العقاري المسموح به.
وهذا ما يفتح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص والاستثمارات العقارية المؤهلة في المشاريع، مع استمرار خضوعها للتنظيم والإشراف من قبل الجهات المعنية.
فيما يبقى انتقال ملكية العقار عن طريق الميراث من الحالات التي استثنتها الأنظمة، حيث يجوز انتقال الملكية إلى الورثة وفق أحكام الميراث الشرعي والضوابط المعتمدة، كذلك الأمر بالنسبة لوضع العقارات في مكة والمدينة.
تتجه الأنظار اليوم إلى كيفية تفاعل المستثمرين والقطاع العقاري مع هذه المرحلة الجديدة، التي تفتح آفاقاً إضافية أمام الاستثمارات المؤهلة، لا سيما ضمن مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، اللتين تخضعان إلى جملة من الضوابط تراعي مكانتهما الدينية وخصوصيتهما، لضمان تحقيق التوازن بين تعزيز أهداف التنمية واستدامة السوق العقارية في السعودية عموماً.
اقرأ أيضاً: معرض IIG العقاري: أكبر معرض عقاري سعودي يُقام في المملكة المتحدة

