على الرغم من الاضطرابات والأزمات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، أظهر الاقتصاد العربي قدرة لافتة على التماسك والنمو. فبحسب أحدث التقارير الاقتصادية الصادرة عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (ضمان)، من المتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية نمواً ملموساً خلال عام 2024، في إشارة واضحة إلى مرونة اقتصادات المنطقة في مواجهة التحديات المتواصلة.
تشير التقديرات إلى أن إجمالي الناتج المحلي العربي سيرتفع بنسبة 1.8 في المائة خلال العام 2024، ليتخطى حاجز 3.5 تريليون دولار. هذا النمو، رغم محدوديته، يعكس قدرة بعض الدول على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي وسط الظروف الصعبة. ومن الجدير بالذكر أن أكثر من 72 في المائة من هذا الناتج يتمركز في خمس دول رئيسية هي السعودية والإمارات ومصر والعراق والجزائر، مما يؤكد استمرار الهيمنة الجغرافية لهذه الدول على الاقتصاد العربي.
توقعات متفائلة لعام 2025
تتوقع المؤسسة نمواً أكثر قوة للاقتصاد العربي في عام 2025 بمعدل يصل إلى 4.1 في المائة. وتعتمد هذه التوقعات الإيجابية على تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية نسبياً، وارتفاع الإيرادات المتوقعة من تصدير النفط والغاز إلى جانب تحسن صادرات السلع والخدمات الأخرى. وتأتي هذه التوقعات على خلفية تفاؤلٍ حذر، خاصة مع استقرار نسبي متوقع في دول المنطقة التي عانت من الصراعات.
اقرأ أيضاً: أحمد الحربي.. مهندس سعودي يتحدى احتكار شركات النفط العالمية بابتكارات محلية
تحديات ومؤشرات متفاوتة
لم تخلُ الصورة من تحديات كبيرة، أبرزها الانخفاض المتوقع في إنتاج النفط الخام بنسبة 4 في المائة، مع تراجع طفيف في الأسعار العالمية. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت الحروب والصراعات الممتدة من قطاع غزة إلى اليمن وسوريا والعراق ولبنان والسودان في زيادة أعباء اقتصادات المنطقة. كما استمرت تحديات أخرى مثل التغيرات المناخية المتصاعدة وزيادة مستوى الديون الخارجية، ما يزيد من الضغط على موارد الدول العربية.
ورغم هذه الصعوبات، شهد متوسط دخل الفرد في المنطقة العربية نمواً بنسبة 1.2 في المائة خلال عام 2024، ليصل إلى حوالي 7557 دولاراً سنوياً، مع توقعات بارتفاع طفيف إلى 7602 دولار في 2025. كما ارتفع متوسط دخل الفرد وفق معيار تعادل القوة الشرائية إلى حوالي 19 ألف دولار، في ظل تفاوت ملحوظ بين الدول الغنية والفقيرة.
في الوقت نفسه، ارتفع عدد السكان العرب إلى أكثر من 467 مليون نسمة، كما سجلت معدلات البطالة ارتفاعاً ملحوظاً إلى 9.7 في المائة خلال 2024. وارتفع التضخم إلى مستويات مرتفعة بلغت 12 في المائة، مع توقعات بتراجعه تدريجياً إلى 8.5 في المائة في العام التالي.
اقرأ أيضاً: السعودية تتجاوز الهدف المعلن في رؤية 2030
الميزانيات والمديونية: من فائض إلى عجز
تراجعت الميزانيات العربية من فائض محدود بلغ 15 مليار دولار في 2023 إلى عجز كبير يصل إلى 58 مليار دولار عام 2024، وسط توقعات بزيادة العجز إلى 68 مليار دولار في 2025. ورغم انخفاض نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي بشكل طفيف إلى حوالي 48.3 في المائة، ارتفع الدين الخارجي ليشكل نحو 56 في المائة من الناتج العربي، مع توقعات بانخفاض طفيف خلال 2025.
تجارة خارجية قوية رغم تراجع الميزان التجاري
شهدت التجارة الخارجية العربية نمواً بنسبة 3.6 في المائة خلال عام 2024، متجاوزةً 3.3 تريليون دولار، رغم انخفاض فائض الميزان التجاري بنحو 33 في المائة، مدفوعاً بارتفاع كبير في الواردات.
وسجل فائض الحساب الجاري تراجعاً حاداً بنسبة 51 في المائة إلى 89 مليار دولار في 2024، وسط توقعات بتراجعه أكثر إلى 47 مليار دولار في 2025.
هذا وارتفعت احتياطيات الدول العربية من العملات الأجنبية بنسبة 3.7 في المائة لتصل إلى حوالي 1.2 تريليون دولار، ما يكفي لتغطية الواردات لأكثر من 8 أشهر، رغم توقعات انخفاض طفيف في تغطية الواردات خلال 2025.