حاوره: محسن حسن
القاص والناقد السعودي الدكتور حسن النعمي، لديه حضور فاعل في الوسط الثقافي والأدبي والفني على مستوى المملكة والخليج والمنطقة العربية بصفة عامة، وهو لا يغفل في حضوره الأدبي والثقافي والفني توظيف تقنيات الميديا الحديثة من أجل الوصول إلى ذائقة المتلقي وعالمه؛ لذا فهو ينشغل حالياً عبر قناته الخاصة على (التيك توك) بتصحيح الكثير من الالتباسات والانحرافات المفاهيمية المتعلقة بعالم الفكر والأدب والفلسفة. وفي حواره مع (أرابيسك لندن)، تطرق الدكتور النعمي إلى الكثير من القضايا والمحاور الرئيسة ضمن سياق التجربة النقدية السعودية، كما تحدث عن صراع الأجناس الأدبية، وعن الليبرالية ومفهومها وحضورها عربياً وخليجياً، وكذلك عن فصام العلاقة بين المثقف والسياسي، وعن جوهر الإبداع الجمالي والأدبي ومحدداته الراهنة بين الرجل والمرأة، وكيف أن انشغال المرأة المبدعة بالكتابة عن الرجل، ورطها في وصفية واقعية بعيدة عن الكثير من قضايا وجماليات الأدب وإلهاماته الأكثر عمقاً، إلى غير ذلك من المحاور والأبعاد والقضايا التي شملها هذا الحوار.
* بداية كيف ترى واقع الأدب السعودي ومستقبله في ظل التحولات الثقافية الراهنة والمعاصرة؟
التجربة النقدية في السعودية تعود إلى زمن إصدار كتاب (خواطر مصرحة) للناقد والشاعر (محمـد حسن عواد) في عام 1926م، وهذا الكتاب النقدي كان نقدا في الظواهر أكثر منه نقداً في النصوص، لكنه أسس وعياً بأهمية مقاربة الأفكار التي تشكل السياق العام، فكان ناقداً للظاهرة المحافظة التي تتعارض ضمنياً مع فكرة الدولة الحديثة، وهذا الكتاب كان الشرارة الأولى في إذكاء الفكر النقدي، ورغم انحسار تأثيره في التجربة النقدية المحلية، إلا أن الأجيال التالية تأثرت بالفكرة وربطتها بنظائرها في الفكر العربي، وخاصة فكر الدكتور (طه حسين).
وقد تعددت سمات التجربة النقدية السعودية عبر الأجيال، مثل تجربة (أحمد السباعي) الذي جايل العواد لكن من زاوية أخرى، فكتب الرواية من منظور إصلاحي كما في رواية (فكرة)، وقدم أول تجربة مسرحية رغم أنها لم تعرض لأسباب اجتماعية حينذاك، كل هذا يأتي مستنداً للوعي الجديد، ولعل تجربة (الغذامي) و(السريحي) و(البازعي) و(معجب الزهراني) وغيرهم، تأتي امتداداً لتلك النزعة النقدية الأولى، والتجارب النقدية التالية وهي قوية، نصوصية كانت أو ظاهراتية، ملأت الآفاق وخرجت إلى النقد العربي بإسهامات كبيرة.
*برأيك هل استطاعت منظومة النقد الأدبي السعودية تعبيد طريقها نحو التميز والحرفية؟
التميز نعم، فكتب الدكتور عبدالله الغذامي – اتفقنا أو اختلفنا معه – تُدرس في أعرق الجامعات العربية، بدءاً من تجاربه في النقد النصوصي إلى آخر ما قدم في مجال النقد الثقافي. أما الاحترافية فلا أعتقد أن ناقداً عربياً تمكن من احتراف النقد مهنة، إذا كان المقصود تسليع النقد، والحقيقة أن الأدب كله نصوصه ونقده، لا يعدو أن يكون نشاطاً ذاتياً محضاً.
* إلى أي حد تؤمن بصراع الأجناس الأدبية؟ ولماذا يتمخض المشهد الأدبي العربي دوماً عن صراع بارز بين الشعر والرواية؟
الصراع ليس من داخل الأجناس الأدبية بل على الضفة الأخرى عند النقاد والمتابعين، وتداخل النصوص أمر طبيعي، وأراه أقرب إلى الصدق الفني؛ حيث يتمرد الكاتب على القوالب وفقاً لحاجته النفسية وطاقته الإبداعية، والصراع بين الشعر والسرد ومنه الرواية، صراع خطابات لا خطاب أجناس أدبية، ففي الشعر من القصة ما هو معلوم، والرواية تستخدم الشعر مادة وصفية كما في روايات (غازي القصيبي) وخاصة رواية (العصفورية).
*على خلفية كتابك (الخوف من الليبرالية): هل ثمة ليبرالية سعودية مختلفة عن سياقات الليبرالية الخليجية والعربية عموما؟
أولاً: لا توجد ليبرالية بالمعنى الغربي لا في دول الجزيرة العربية ولا في بقية دول العالم العربي، ثم إن شكل الليبرالية في العالم العربي كله منقوصة، طالما أنها تقيد الفرد بطقوس القبيلة، وتأويلات الدين. ثانياً: المظاهر التي لدينا مجرد مظاهر ليبرالية شكلية، وربما قناعات أفراد لا مؤسسات وهيئات.
وثالثاً: وهذا رأيي الذي أتبناه، لماذا نبحث عن قيم الآخر لنسقطها على مجتمعاتنا، فالأولى أن نستنبت من قيمنا الدينية والاجتماعية ما يلائم الذهنيات العامة، دون تصادم بين النخب والقواعد الشعبية في المجتمعات العربية، وفعالية السياسة تكمن في الموازنة والتكيف المنطقي، لا في فرض أجندات وأفكار الغير، وكل المشاريع التي استوردها العرب سقطت، مثل الأفكار الاشتراكية التي سادت في الخمسينيات والستينيات، وهذه مجرد شواهد، والأفكار ليست مشاعة؛ لأنها متغيرة حسب امتدادات الفكر الاجتماعي، وهي تختلف عن المخترعات المادية القابلة للاستخدام وفق الاحتياجات المادية للمجتمعات.
* بأية عين تنظر إلى النتاج الأدبي والثقافي للمرأة الخليجية عموماً والسعودية على وجه الخصوص؟
أنا أرفض ثنائية أدب الرجل وأدب المرأة، فالأدب إنساني بطبعه سواء كتبه رجل أو امرأة، والأدب قيمة جمالية وليست فكرية، بمعنى أن الأدب هو الصيغ الجمالية وليس الأفكار التي نضعها، ومعظم الذين يقسمون الأدب إلى أدب رجالي وأدب نسائي ينطلقون من أن المرأة تكتب مشكلاتها الواقعية وخاصة مشكلاتها مع الرجل، وبهذا المعيار يخرج الأدب من أدبيته إلى نقله الأفكار، وعليه يسقط أهم ما في الأدب وهو جمالياته، والجاحظ قديماً عبر عن العلاقة بين الشكل والمضمون بأن المعاني مطروحة في الطرقات؛ إذ لا أهمية للأفكار إذا لم تصب في قوالب جمالية مبهرة.
ومشكلة المرأة أنها توقفت في بعض كتاباتها عند الرجل؛ مما أعاقها عن ملامسة قضايا أكثر بعداً، لكن ذلك لا يبرر تخصيص ما تكتبه أنه ميزة لها، فهناك كتاب يشتغلون على قضايا المرأة بعمق أكثر من المرأة الكاتبة نفسها، وهذا يأخذنا إلى مصطلح أكثر تعقيداً، هو النسوية التي تتخذ من الأدب وسيلة دفاع عن حقوق المرأة دون مراعاة لجماليات الأدب.
* ثمة معضلة وإشكالية معاصرة في علاقة الإنسان العربي بالأدب والثقافة وهي تميل إلى التجافي أكثر منها إلى التلاقي والالتحام.. تتفق أم تختلف؟ وأين الخلل في رأيك؟
الأدب في مستواه الفصيح نخبوي، ولا أتوقع أن هناك إشكالية في المقام الأول، ذلك أن من ضرورات التلقي الإحاطة بطبيعة الأدب، وطبيعته مجازية تحتاج إلى ذهنية قادرة على التفاعل معه، ومن هنا لا أرى فرضية للتجافي بين الأدب والمتلقي العربي على إطلاقها.
* من وجهة نظر أكاديمية فاحصة: ما السر في فصام التواصل بين المثقف والسياسي في عالمنا العربي؟ وهل نحن في حاجة إلى تثقيف سياسي وسياسة تثقيفية؟
المثقف مثالي وحالم، والسياسي واقعي وعملي، المثقف سلطته في كلمته، والسياسي سلطته في قراره، المثقف الحقيقي لا يجب أن يكون ثورياً، بل إنسانياً يقرأ السياقات ويعبر عنها برؤيته، وأمثلة المثقفين الذي خلدتهم أعمالهم ومروا بكل التحولات السياسية في بلدانهم كثيرة، مثل نموذج (طه حسين) الذي عاش في ظل الملكية والثورة، وبقي هو المفكر والأديب ولم ينشغل بتقلبات السياسة، وكذلك (نجيب محفوظ) الكاتب الذي عاش في ظلال الملكية والثورة وعبر عنهما بطريقة الفنان دون تصادم، بخلاف الكتاب القوميين والماركسيين؛ الذين نقلوا الأدب من قيمته الفنية والأدبية إلى قيمة الصوت السياسي، فماتت أعمالهم أو تلاشى تأثيرها بانتهاء مناسبتها.
اقرأ أيضاً: معرض جازان للكتاب 2025: نافذة على الأدب والثقافة
* بعد رحلة عطاء ممتدة إبداعياً وأكاديمياً.. ما الثابت والمتحول في قناعا ت الدكتور حسن النعمي الفنية والإنسانية؟
الثابت بأن لا شيء يبقى على حال، فالتغير سنة الحياة، وأولها الأفكار، والإنسان الذي لا يتغير أو يتطور فاقد للحياة حتى وإن بقي على قيد الحياة. والتغير والتطور ليستا مترادفتين، فالتغير انتقال من حال إلى حال، وهذا يمس الأفكار والمعتقدات، أما التطور فتقدم في السياق ذاته دون انقلاب عليه، وأنا أنتمي لسياق التطور بصفة فكرية وثقافية وأدبية.
* هل ترى في ذائقة التأويل الأدبية والثقافية عواراً ما واجب الإصلاح عربياً؟ وما هذا العوار وكيف نصلحه؟
فرق بين الذائقة والتأويل، الذائقة استقبال، والتأويل إنتاج، قد نستقبل النص ونتذوقه بمعنى أن نتفاعل معه، والتفاعل قد يصل بالقارئ إلى تأويل وهو مرحلة لاحقة، وقد نتذوقه ونتوقف عند هذا الحد، أما مسألة العوار فهي نسبية ولا يمكن تقديرها، وكل تجارب التلقي والتأويل تتباين حسب طبيعة النصوص والغاية من تلقيها.
* بعد قرابة قرن على رحلة السرد الروائي والقصصي في المملكة. ما أبرز المكتسبات وأهم الإخفاقات من وجهة نظرك؟
المكتسبات كبيرة أهمها أن حضور النصوص السردية في الأدب السعودي يوازي حضور الشعر بل يتجاوزه في التلقي والتأثير، فالنصوص السردية كانت بعيدة عن التداول في ظل طغيان حضور الشعر في بداية نهضة الأدب السعودي.
* ما نوعية المشاريع الأدبية والثقافية التي تستحوذ على اهتمامات الدكتور النعمي حالياً وربما مستقبلاً؟
في الفترة الأخيرة لدي شغف بإعادة قراءة المفاهيم السائدة في الفكر والأدب والفلسفة، أشعر أن هناك تعمية وانحرافات في ماهية بعض المفاهيم؛ لذا خصصت قناتي في التيك توك للحديث في فيديوهات قصيرة عما أرى فيه التباسات معينة.
* من أية وجهة وعبر أية آلية يمكن لفنون الأدب العربية والخليجية أن تجتمع في مشروع واحد متكامل ومتجانس؟
ليس بالضرورة أن تجتمع؛ لأن الأدب ذاتي النزعة يتشكل وفق معطيات وروافد ثقافية ذاتية، والمشروعات التي تحتاج للتخطيط تصلح أن تكون في مجالات الاقتصاد والأعمال أكثر من كونها في تجارب الأدباء، لكن ما يحتاجه الأدباء هو تهيئة السياقات التي تعزز حضورهم ومشاركاتهم.
* في الختام ماذا ترى بشأن التكامل الأدبي والثقافي بين مجتمعا ت الخليج ودولها؟ وهل ترى في التنافس السياسي والاقتصادي معوقاً لمثل هذا التكامل؟
كما ذكرت من قبل: الأدب واللغة والثقافة عابرة لحدود السياسة والاقتصاد.
اقرأ أيضاً: عبده خال كاتب وروائي حجز مكانة مرموقة في الأدب العربي وقدم صورة ناصعة عن الأدب السعودي