تقع مدينة العُلا في المملكة العربية السعودية، وتُعد موطناً لحضارتين بارزتين في التاريخ العربي القديم: مملكة “دادان” (Dadan) ومملكة “لحيان” (Lihyan). هاتان المملكتان لعبتا دوراً محورياً في تاريخ شبه الجزيرة العربية، خاصة في الشمال الغربي منها. في هذا المقال، سنستعرض تاريخ كلٍ من المملكتين، ونوضح الفروقات بينهما، مع التركيز على أبرز المعالم الأثرية المرتبطة بهما.
مملكة “دادان” (Dadan)
النشأة والتاريخ
تأسست مملكة “دادان” في واحة العُلا، وبلغت ذروة ازدهارها بين القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد. كانت “دادان” واحدة من أكثر المدن تطوراً في شمال غرب الجزيرة العربية خلال تلك الفترة، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة القديمة. وفرت وفرة المياه والتربة الخصبة بيئة مثالية للزراعة، مما ساهم في ازدهار المملكة.
الاقتصاد والتجارة
استفادت “دادان” من موقعها على طريق البخور، حيث كانت تمر القوافل التجارية التي تنقل البخور والتوابل من جنوب الجزيرة العربية إلى مناطق البحر الأبيض المتوسط. وهذا الموقع الاستراتيجي جعلها مركزاً تجارياً هاماً، حيث فرضت الضرائب على البضائع المارة، مما عزز اقتصادها ومكانتها الإقليمية.
ومن أبرز المعالم المرتبطة بمملكة “دادان” هي مقابر الأسود، وهي مقابر منحوتة في الصخور الحمراء مزينة بنقوش لأسود جاثمة. وتُعتبر هذه المقابر دليلاً على المستوى الفني والحضاري المتقدم الذي بلغته المملكة.
اقرأ أيضاً: طواف العلا 2025 يتوج البريطاني بيدكوك بالمركز الأول
مملكة “لحيان” (Lihyan)
النشأة والتاريخ
بعد تراجع مملكة “دادان”، ظهرت مملكة “لحيان” في المنطقة نفسها، وامتدت فترة حكمها تقريباً من القرن الخامس إلى الأول قبل الميلاد. سيطرت “لحيان” على مناطق واسعة من شمال غرب الجزيرة العربية، وكانت عاصمتها أيضاً في العُلا.
الاقتصاد والتجارة
واصلت “لحيان” الاستفادة من موقعها على طرق التجارة، مما ساهم في تعزيز اقتصادها. كما اهتمت بالزراعة، مستغلةً الموارد الطبيعية المتوفرة في واحة العُلا.
وتُعد مقابر الأسود أيضاً من المعالم المرتبطة بمملكة “لحيان”، حيث استمر استخدام هذه المقابر خلال فترة حكمهم. بالإضافة إلى ذلك، كشفت التنقيبات الأثرية عن تماثيل ونقوش كتابية تعود لفترة حكم “لحيان”، مما يدل على تطورهم الثقافي والحضاري.
اقرأ أيضاً: كيف تعزز السعودية علاقاتها عبر المؤتمرات والفعاليات المتنوعة؟
الفروقات بين مملكة “دادان” ومملكة “لحيان”
- الفترة الزمنية: تأسست مملكة “دادان” وازدهرت بين القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد، بينما ظهرت مملكة “لحيان” لاحقاً، وامتدت من القرن الخامس إلى الأول قبل الميلاد.
- الامتداد الجغرافي: في حين كانت “دادان” تركز على واحة العُلا ومحيطها، توسعت “لحيان” لتشمل مناطق أوسع من شمال غرب الجزيرة العربية.
- الهوية الثقافية: على الرغم من التشابهات الثقافية بين المملكتين، إلا أن لكل منهما نقوشها ولغتها المميزة، حيث استخدمت “دادان” الخط الداداني، في حين استخدمت “لحيان” الخط اللحياني.
- المعالم الأثرية: على الرغم من اشتراك المملكتين في بعض المعالم مثل مقابر الأسود، إلا أن هناك اختلافات في الأساليب الفنية والعمارة بين الفترتين، تعكس التطورات الثقافية لكل مملكة.
ختاماً، تمثل مملكتا “دادان” و”لحيان” فصلين مهمين في تاريخ العُلا وشمال غرب الجزيرة العربية. ومن خلال دراسة تاريخهما ومعالمهما الأثرية، يمكن فهم التطورات الثقافية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة خلال الألفية الأولى قبل الميلاد، فيما تظل العُلا اليوم شاهدةً على هذا الإرث التاريخي الغني، مما يجعلها مقصداً هاماً للباحثين والزوار المهتمين بتاريخ الجزيرة العربية القديم.