تشهد المملكة العربية السعودية ازدهارًا فنيًا وثقافيًا ملحوظًا، مدعومًا بتوجهات حكومية ومجتمعية واسعة النطاق، وفي هذا السياق، يبرز الفن التشكيلي كأحد أبرز الفنون التي شهدت تطورًا كبيرًا؛ إذ انتقل من مجرد ممارسة فردية إلى حركة فنية متكاملة، تضم مؤسسات ومهرجانات ومعارض فنية خاصة بها.
وفي هذه المقالة، نستعرض مسيرة الفن التشكيلي السعودي منذ بداياته الأولى وحتى وقتنا الحاضر، ونسلط الضوء على رواده الذين أرسوا دعائم مدرسة تشكيلية سعودية مميزة، كما نتناول أبرز الأسماء التي استضافها موقع “أرابيسك لندن- السعودية” في لقاءات حصرية أسهمت في توثيق المشهد الفني المعاصر.
بدايات الفن التشكيلي في السعودية وتطوره
يرجع ظهور الفنون التشكيلية في المملكة إلى عصور قديمة، حيث مارس الإنسان الذي عاش في المنطقة فنون الرسم والنحت على الصخور، كما هو واضح في النقوش والرسوم المكتشفة في مناطق مثل جبة والشويمس في حائل، والتي يعود تاريخها إلى آلاف السنين.
أما كحركة فنية حديثة، فقد بدأ الفن التشكيلي السعودي في التشكل مع دخول التعليم النظامي، إذ كان إدراج مادة التربية الفنية في المدارس عام 1958 نقطة انطلاق رئيسية لهذا الفن، حيث أتاحت للأجيال الجديدة فرصة التعرف على الرسم والتشكيل والتعبير البصري.
ومع تطور التعليم، بدأ الفنانون السعوديون في البحث عن فرص لتطوير مهاراتهم، وهو ما دفع العديد منهم إلى الالتحاق ببعثات دراسية إلى مصر، العراق، إيطاليا، وفرنسا في الستينات والسبعينات، حيث اطلعوا على المدارس التشكيلية المختلفة وعادوا إلى المملكة برؤى جديدة ساهمت في تشكيل هوية بصرية سعودية مميزة.
وفي هذه الفترة، بدأ الفن التشكيلي السعودي يأخذ طابعًا مؤسسيًا، حيث أقيمت المعارض الأولى، مثل المعرض الذي نظمه الفنان عبدالحليم رضوي عام 1965، وهو أول معرض فني سعودي موثق، كما لعبت جمعية الثقافة والفنون، التي تأسست عام 1973، دورًا رئيسيًا في رعاية الفن التشكيلي عبر إقامة المعارض والدورات التدريبية ودعم المواهب الناشئة.
وفي الثمانينات والتسعينات، توسع المشهد التشكيلي بشكل ملحوظ مع ظهور المزيد من صالات العرض الفنية، مثل المركز السعودي للفنون التشكيلية في جدة، الذي أسسته صفية بن زقر عام 1989، كما ساهمت الجوائز والمسابقات الفنية، مثل بينالي الفن الإسلامي في جدة، في تحفيز الفنانين على تطوير أساليبهم والبحث عن هويات بصرية فريدة.
وفي العقدين الأخيرين، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، أصبح الفن التشكيلي السعودي أكثر انفتاحًا على العالم، حيث تمكن الفنانون من عرض أعمالهم عالميًا والتفاعل مع مدارس فنية مختلفة.
اقرأ أيضاً: «منال الرويشد» نجمة ساطعة في سماء الفن الرقمي
رواد الفن التشكيلي السعودي وتأثيرهم
شهدت الحركة التشكيلية السعودية ظهور عدد من الرواد الذين أسسوا لهذا الفن وأرسوا قواعده، ويعد عبدالحليم رضوي أحد أبرز هؤلاء، حيث يعرف بأنه أول فنان سعودي أقام معرضًا فنيًا منفردًا، واستوحى رضوي أعماله من الثقافة السعودية والتراث الإسلامي، مستخدمًا الألوان القوية والزخارف التقليدية بأسلوب حداثي.
كما يعد محمد السليم، أحد الأسماء البارزة في الحركة التشكيلية السعودية، بدأ مسيرته الفنية في الستينات وساهم في تطوير مفهوم جديد للفن التشكيلي في المملكة، وأسس دار الفنون السعودية عام 1980، وساهم في نشر الوعي الفني، كما اشتهر بأسلوبه الذي أطلق عليه “مدرسة الآفاق”، حيث كان يركز على تجريد المناظر الطبيعية السعودية بأسلوب تعبيري حديث.
وتعتبر صفية بن زقر رائدة الفن التشكيلي النسائي في المملكة، فقد وثقت في أعمالها الحياة الاجتماعية والتراثية، وأقامت أول معرض لها عام 1968، كما أسست “دارة صفية بن زقر” في جدة، وهو مركز ثقافي فني يهدف إلى حفظ وتوثيق الفنون التراثية السعودية.
ومن الرواد الآخرين الذين أثروا في الحركة التشكيلية، عبدالجبار اليحيا الذي تأثر بالمدرسة التكعيبية والرمزية، وعبدالله الشيخ الذي تميز بأسلوبه التعبيري وتأثر بالفن العراقي، كذلك، برز أحمد فلمبان كأحد الفنانين الذين جمعوا بين الممارسة الفنية والتوثيق الأكاديمي، حيث ألف عدة كتب عن تاريخ الفن التشكيلي في السعودية.
أما منيرة موصلي، فقد كانت من أوائل التشكيليات اللواتي درسن الفن أكاديميًا، وأسست مهرجان الفن في الخبر عام 2007، واهتمت بأساليب التصوير الإسلامي المعاصر.
اقرأ أيضاً: أشهر الرسامين السعوديين الذين أسسوا مسار الفن السعودي
الفن التشكيلي السعودي المعاصر وحوارات أرابيسك
مع التطور الذي شهده الفن التشكيلي في السعودية، برزت منصات إعلامية وثقافية تساهم في توثيق هذا المشهد وإبراز المواهب الشابة، ويعد موقع “أرابيسك لندن -السعودية” من أبرز هذه المنصات، حيث أجرى لقاءات مع عدد من الفنانين المعاصرين الذين يمثلون الجيل الجديد من المبدعين.
وفي لقاء خاص مع “أرابيسك لندن-السعودية”، تحدثت الفنانة ناره سعد عن مسيرتها في الفن التجريدي، وكيف استلهمت أعمالها من الرموز التراثية السعودية، وناقشت في الحوار تأثير الألوان على تكوين لوحاتها، وكيف تعكس في أعمالها مزيجًا بين الحداثة والتقاليد البصرية المحلية.
كما أجرى الموقع مقابلة مع الفنانة التشكيلية السعودية فاطمة النمر، التي كشفت عن تقنياتها الفنية في الرسم واستخدام الألوان بشكل تجريدي لإيصال مشاعر مختلفة، وتحدثت النمر عن تجربتها في أحد المعارض الكبرى التي شاركت فيها، وكيف استطاعت أن تعكس رؤيتها الخاصة من خلال التجريد اللوني.
وإضافة إلى ذلك، أجرى “أرابيسك” لقاءً مع الفنانة مها الملوح، التي تحدثت عن تجربتها الطويلة في الفن التشكيلي، وكيف ترى تطور هذا الفن في المملكة خلال العقود الماضية، كما ناقشت أهمية توثيق الحركة التشكيلية السعودية وأهمية النقد الفني في تطوير المشهد الفني المحلي.”
وفي الختام، قطع الفن التشكيلي السعودي شوطًا طويلًا منذ بداياته المتواضعة، وانتقل من كونه ممارسة محدودة إلى حركة ثقافية متكاملة مدعومة بمؤسسات ومعارض ومنصات فنية، وبفضل جهود الرواد، تمكن الفنانون السعوديون من ترسيخ هوية بصرية تعكس بيئتهم وثقافتهم، مع الاستفادة من الاتجاهات العالمية لتطوير أساليبهم الخاصة.