استطاع المسلسل السعودي «شارع الأعشى» أن يحتل صدارة محركات البحث ويكون من بين الأعمال الرمضانية الأكثر مشاهدة في دول عربية عدة، وخاصة في السعودية والكويت.
وتأتي قصة شارع الأعشى لتأخذنا في رحلة مثيرة عبر سبعينيات القرن الماضي إلى قلب حي منفوحة التاريخي في الرياض، من خلال 30 حلقة بميزانية إنتاج هائلة بلغت 14 مليون دولار.
قضايا جريئة
ويطرح شارع الأعشى قضايا اجتماعية جريئة، تعكس التغيرات العميقة التي شهدها المجتمع السعودي، ويسلط الضوء على العلاقات الإنسانية، حيث يجسد الصداقة الحقيقية، والتخبطات التي تعيشها الشخصيات، ورغبتهم الملحة في التغيير.
تدور أحداث المسلسل في حي منفوحة ويسرد في حلقاته القيم النجدية الأصيلة من تسامح وتكاتف، ويحكي حياة ثلاث شقيقات: عزيزة، وضحة، وعطوة، اللاتي يحلمن بالتحرر في مجتمع محافظ، ويتمحور حول تحدياتهن في مواجهة الأعراف الاجتماعية، وكيف تؤثر التحولات الثقافية والاجتماعية التي بدأت تظهر في عام 1979 على حياتهن وأحلامهن.
اقرأ أيضاً: المسلسلات السعودية في رمضان 2025 رحلة بين الكوميديا والدراما
لمسة تركية
وفي حين تتماشى معظم الأحداث مع الرواية المقتبس عنها، غراميات شارع الأعشى، للكاتبة السعودية بدرية البشر، فإن الثلث الأخير يعد بمفاجآت جديدة تثير فضول المشاهدين.
وفي تصريحات سابقة، كشفت بدرية البشر أن الرواية هي نتاج ولادة مشتركة بين قصة قصيرة عن امرأة بدوية أخلصت لأطفالها وتحدت التقاليد القديمة، ولفتت إلى أن اسم شارع الأعشى يحمل دلالات عميقة، فهو يشير من جهة إلى شاعر الجاهلية، ويبين عدم القدرة على الرؤية في الظلام من جهة أخرى، هذه الرموز صوّرت التعقيدات التاريخية والاجتماعية في المنطقة.
ورغم أن الرواية تعكس خصوصية المجتمع السعودي، إلا أن رؤية المخرج، أحمد كاتيكسيز، جاءت بلمسة تركية، حيث أسندت كتابة السيناريو إلى ثلاثة كتّاب أتراك، من بينهم دملة سيرين، كاتبة مسلسل «الحفرة»، ومع أن هذا الأمر أثار تخوفات لدى الجمهور، لكن النتيجة كانت مفاجئة فهو عمل سعودي بامتياز.
وبعد أن كُتب السيناريو باللغة التركية، تمت ترجمته إلى الإنكليزية والعربية، حيث قامت منال العويبيل بسعودة النص وإضفاء الروح المحلية عليه، بينما قام خبراء اللهجة بمراجعة العمل لضمان دقته.
ورغم تنوع الجنسيات المشاركة في العمل، فقد نال إشادة واسعة من النقاد والمشاهدين، حتى أن بعض من عاشوا في شارع الأعشى في تلك الحقبة الزمنية بدأوا يسترجعون ذكرياتهم الجميلة.
واستطاع النجوم الشباب، المشاركين في العمل من إلهام علي وخالد صقر وتركي اليوسف، إضافة إلى عهود الجدعان وعائشة كاي ولمى عبد الوهاب وريم الحبيب، تقديم أداء متميز ساهم بتألق العمل في الدراما العربية والخليجية لشهر رمضان 2025.
اقرأ أيضاً: رمضان في جازان تقاليد تنبض بالحياة
آراء النقاد بين السالب والموجب
وعموماً، أثار مسلسل شارع الأعشى جدلاً واسعاً بين الجمهور والنقاد، حيث مثّل تجربة درامية غنية بالعناصر الإيجابية والسلبية في آن معاً، فمن الجانب المشرق، نجح المسلسل في تجسيد المجتمع الخليجي خلال السبعينيات بواقعية ملحوظة، وذلك بحسب بعض المشاهدين والنقاد، إذ عرض الجوانب المختلفة للحياة الاجتماعية من دون مبالغة.
وقد حقق حضوراً قوياً على منصة إكس، ووصف بعض النقاد الإنتاج بأنه ضخم، وأشادوا بالأداء التمثيلي والمعالجة البصرية لا سيما في تصوير تأثير السينما المصرية على المجتمع السعودي في ذلك الوقت، وهو ما ظهر من خلال عرض أفلام مصرية كلاسيكية في بعض المشاهد، ما أضاف بُعداً تاريخياً واقعياً للحياة الاجتماعية آنذاك.
كما كان الأداء التمثيلي لافتاً، خاصة من قبل إلهام علي التي تألقت في تقديم شخصية معقدة، ما جعلها تحظى بإشادات واسعة من النقاد والجمهور، بينما تميزت الفنانة السعودية الكندية عائشة كاي في تجسيد شخصية أم نجدية، رغم إقامتها وقتاً طويلاً في كندا، وقد نالت إعجاب المشاهدين، إذ أشاد بها عدد من الشخصيات المعروفة، بما في ذلك الفنانة الإماراتية أحلام والكاتب عبد الله النعيمي.
اقرأ أيضاً: واحد من أبرز النجوم السعوديين.. ماذا تعرف عن سعد خضر؟
لكن، بالرغم من النجاح والمديح الذي حققه العمل، يبدو أن هناك بعض العيوب التي لا يمكن تجاهلها، إذ يرى أحد النقاد أن العمل يركز بطريقة مبالغ بها على قصص الحب والغرام، الأمر الذي جعله يفتقر إلى العمق في سرد القصة.
فقد أُعطي الكثير من التركيز على قصص الحب، كغراميات «سعد وعواطف»، وقصة زواج الجازي وغراميات عزيزة، ما أدى إلى تشتت الأحداث في بعض الأحيان، وبدأ المشاهدون، حتى الشباب منهم، يتساءلون عن مدى واقعية تلك القصص، وإلى أي مدى تعكس عادات وتقاليد المجتمع السعودي في تلك الفترة
كما أن بعض الشخصيات، على الرغم من قلة عددها، بدت ضعيفة وغير متماسكة في تطورها، أيضاً، كان هناك نقاش حول كيفية تصوير المجتمع المحافظ، حيث اعتبر البعض أن الصورة المقدمة قد تكون غير دقيقة أو مبالغ فيها، ما قد يؤدي إلى تشويه صورة المجتمع الخليجي.
ورأى نقاد آخرون أن تصوير الحياة اليومية في تلك الحقبة لم يكن دقيقاً، حيث بدت بعض التفاصيل وكأنها تنتمي إلى ستينيات القرن الماضي وليس السبعينيات.
وأثارت أيضاً طريقة أداء بعض الممثلين للهجة البدوية والنجدية انتقاد البعض وأن الممثلين لم يتقنوها ما جعلهم يشعرون بعدم الارتياح عند الحضور.
ختاماً، ما بين الإيجابيات والسلبيات، لا يمكن إنكار أن مسلسل «شارع الأعشى» يعد تجربة فنية تجذب الانتباه، فنجاحه في إثارة النقاشات حول القضايا التاريخية والاجتماعية يؤكد على تأثيره العميق في نفوس المشاهدين.
اقرأ أيضاً: الشباب السعودي بين الماضي والحاضر