تحتضن السعودية واحداً من أكثر القطاعات الاقتصادية حيويةً وتنافسيةً؛ وهو قطاع توصيل الطلبات الذي تحوّل في السنوات الأخيرة من مجرد خدمة جانبية إلى ضرورة حياتية يومية، الأمر الذي لم يحدث صدفة، بل جاء نتيجة لتداخل عوامل تقنية واجتماعية واقتصادية متنوعة، من بينها التطور التكنولوجي المتسارع وتغير سلوك المستهلك، لا سيما بعد أزمة كورونا.
تعيش السوق السعودية اليوم ذروة المنافسة بين شركات محلية وعالمية تسعى لتقديم خدمات توصيل متميزة من حيث السرعة، والجودة، والسعر، مما فتح المجال أمام تجارب رقمية مبتكرة غير مسبوقة. مؤخراً، دخل تطبيق «كيتا» التابع لشركة «ميتوان» الصينية إلى المنافسة، ما أشعل المنافسة بقوة بفضل خبرته الطويلة وتقنياته المتقدمة. وقد بدأ التطبيق عملياته في الرياض مع استراتيجيات تسويقية جريئة، شملت التوصيل المجاني والتعويضات المالية عند التأخر، ما وضعه مباشرةً في قلب المنافسة الشرسة.
جائحة كورونا وتحوّل المستهلكين
مثّلت جائحة كورونا نقطة تحول مفصلية في نمو هذا القطاع؛ إذ تزايد الطلب على حلول التوصيل الآمنة، مما جذب المزيد من الشركات ودفع الكثيرين إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على التطبيقات الرقمية. ومع هذا التحول، أصبحت الخيارات المتاحة للعملاء واسعة جداً، تشمل المطاعم، والمقاهي، ومتاجر التجزئة، ما رفع بشكل ملحوظ من حجم الاستثمارات في القطاع.
اقرأ أيضاً: كيف سيغير «غوغل باي» تجربة التسوق في السعودية؟
وكشفت هيئة النقل السعودية أن إجمالي عدد طلبات التوصيل في المملكة وصل إلى نحو 290 مليون طلب، أي ما يقارب 794 ألف طلب يومياً. استحوذت منطقة الرياض وحدها على 45% من هذه الطلبات، فيما جاءت مكة المكرمة ثانياً بنسبة تقارب 22.5%.
تطبيقات سعودية رائدة صنعت الفارق
يُعتبر تطبيق «هنغرستيشن» من أوائل وأبرز التطبيقات في السعودية، إذ يعمل كحلقة وصل بين العملاء والمطاعم منذ تأسيسه عام 2012. وشهد التطبيق تحولاً هاماً في ملكيته مع استحواذ شركة «ديليفري هيرو» الألمانية بالكامل عليه في 2023.
من جهته، حظي تطبيق «جاهز» السعودي الأصل بانتشار واسع بعد أن انطلق بفكرة توصيل الأكلات المنزلية، وشكّل طرح أسهمه في سوق الأسهم السعودية نهاية 2024 نقلة نوعية للقطاع بأكمله. كما يبرز تطبيق «مرسول» كواحد من التطبيقات المتنوعة في خدمات التوصيل، ابتداءً من المطاعم وانتهاءً بتوصيل الأغراض الشخصية المنسية.
اقرأ أيضاً: سدايا تطلق منصة ديب فيست لرواد الذكاء الاصطناعي
ولا تقتصر المنافسة على التطبيقات المحلية فقط، بل تضم تطبيقات عالمية مثل «طلبات» الذي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة ويعتمد على تقديم خدمات سريعة وفعالة تناسب جميع الشرائح.
الرقابة ومنع الاحتكار
أكد عبد العزيز الخضيري، الخبير وعضو جمعية حماية المستهلك، أن هيئة المنافسة السعودية تراقب عن كثب سلوك التطبيقات في السوق لضمان عدم قيام أي شركة بممارسات احتكارية مثل حرق الأسعار، موضحاً أن العروض والخصومات تخضع لموافقة رسمية لضمان منافسة عادلة.
من جانب آخر، أوضح صالح العقيل، المطور المتخصص في تطبيقات التجارة الإلكترونية، أن أزمة كورونا دفعت المطورين لتغيير أولوياتهم من التصميم الجذاب فقط إلى التركيز على السرعة والاستقرار، وقدرة التطبيقات على تحمل الضغط وزيادة كفاءة عمليات الدفع الإلكتروني.
المستهلك السعودي.. خيارات أكثر ووعي أكبر
وفي ذات السياق، لاحظ المستهلكون تحسناً واضحاً في سهولة التواصل مع خدمات الدعم الفني للتطبيقات، ما زاد من رضا العملاء وجعلهم أكثر اعتماداً على التطبيقات في مختلف احتياجاتهم اليومية.
لا يقتصر دور قطاع التوصيل على تسهيل حياة المستهلك فقط، بل يُعد عنصراً مهماً في دعم قطاع التجارة الإلكترونية ونمو الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى خلق فرص وظيفية متنوعة تشمل السائقين ومديري العمليات والخدمات اللوجستية، ما يعكس أهمية كبرى لهذا القطاع الحيوي في الاقتصاد السعودي.
هذا المشهد التنافسي الحيوي، مع دخول شركات عالمية قوية إلى السوق المحلية، ينبئ بأن قطاع توصيل الطلبات في المملكة يتجه نحو مستقبل واعد مليء بالابتكارات والمفاجآت…