يعبّر اللباس عن بيئة وثقافة الشعوب أكثر من كونه تعبيراً عن عقائدهم، فكل زيّ يترجم احتياجات الناس وظروفهم، ويعدّ الرمز لهويتهم الحقيقية.
تطور الثوب السعودي عبر العصور
يعكس الثوب السعودي هوية السعوديين وتراثهم الصحراوي، يعود أصل هذا الزيّ إلى عقود خلَت، حين كان الثوب بسيطاً وأبيض اللون وبلا ياقة، يعبّر عن بساطة الحياة آنذاك.
ومنذ العصور القديمة، ارتدى سكان الجزيرة العربية ملابس بسيطة مصنوعة من الأقمشة الخفيفة التي توفر الحماية من حرارة الشمس والعواصف الرملية، اتسمت تصاميمها بأنها فضفاضة لتسمح بحرية الحركة والتهوية في تلك الظروف القاسية.
ومع ظهور الإسلام، تأثرت الملابس بالعادات الإسلامية التي فرضت الاحتشام، فأصبحت الملابس تغطي معظم الجسم، واستمر استخدام العمامة وغطاء الرأس، وبفضل توسع التجارة، أصبح هناك تنوع وجودة أكبر في الأقمشة.
في العصر الحديث، وبعد توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932م على يد الملك عبد العزيز آل سعود، ترسخت هوية الثوب السعودي الذي نعرفه اليوم، والذي يمتاز بلونه الأبيض العاكس لأشعة الشمس، مع تصاميم توفر الراحة والتهوية، ليكون الزيّ الرسمي والمفضل للرجال السعوديين حتى يومنا هذا.
مع مرور الوقت، بدأت التحديثات تظهر على الثوب السعودي، ففي بدايات العقد الماضي، لاحظ الجميع ظهور التطريزات الفنية على الثوب وخاصة على الياقة، وبدأ يأخذ ألوان الطيف بأكملها.
اقرأ أيضاً: تعرف إلى أبرز محلات الثياب الرجالية في العاصمة الرياض
وبالحديث عن ياقة الثوب السعودي، كان الثوب في السابق يحمل أزراراً متعددة، تصل إلى أربعة، محكمة الإغلاق، صحيح أن هذه الأزرار كانت تعبّر عن تقاليد قديمة، لكنها أضفت صعوبة على حركة الرجل، حتى أن البعض شعروا بالاختناق، ومع هذا يُقال إن الثوب السعودي الأول كان بلا ياقة، مثل الثوب العماني أو الإماراتي، والأمور تغيرت مع مرور الزمن.
وبعد فترة، تحولت الأزرار إلى شكل مثلث يعرف بالعامية بـ”القلابي”، مستلهماً من موضة القمصان الإيطالية، ثم جاء دور الياقة التقليدية، التي كانت طويلة لدرجة أن أذن الشخص لم تكن تُرى، ومع ذلك، لم تستمر هذه الموضة طويلاً، وبدأت الياقة تتطور لتأخذ أشكالاً فنية وهندسية، مزينة بالتطريزات البيضاء.
ومع انتشار الصيحات المختلفة من أنحاء العالم، تمرد الشباب على الأزرار التقليدية، واستلهموا تصاميم الثوب من ثقافات جديدة، خاصةً من الملابس الصينية، واليوم، أصبح الثوب المدعم بالياقة الصينية هو الموضة السائدة، فهو يناسب أولئك الذين لا يفضلون إغلاق ياقتهم دائماً.
اقرأ أيضاً: عباءة سوداء وأصالة لا تموت: الزي النسائي السعودي التقليدي عبر الأجيال
عناصر الثوب السعودي
يتكون الزيّ السعودي من عناصر عدة تعكس ثقافة الجزيرة العربية وتاريخها، العنصر الأساسي فيه هو الثوب، وهو رداء طويل يصل إلى الكاحلين، بتصميم مريح وفضفاض، غالباً ما يكون مصنوعاً من القطن الناعم لامتصاص الرطوبة، ويأتي مع تصاميم متنوعة للياقة.
ويعد الشماغ أو الغترة جزءاً لا يتجزأ من الثوب السعودي، يوضع على الرأس لحماية الوجه من أشعة الشمس والغبار، ويمتاز بنقوشه الحمراء والبيضاء، بينما تُصنع الغترة من القطن الأبيض النقي، ويعود أصل الشماغ إلى الحضارة السومرية، حيث تشير بعض المصادر إلى أن كلمة “شماغ” مستمدة من السومرية “آش ماخ” والتي تعني “غطاء رأس عظيم”، وكان يرتديه الكهنة والقادة كرمز للمكانة الاجتماعية.
ويقول بعض الباحثين بأنّ عناصر الجيش الأردني هم من بدأوا بارتداء الشماغ الأحمر، الذي يعدّ غريباً عن الجزيرة العربية، ففي الماضي، كان الرجال في الجزيرة يفضلون اللون الأسود للشماغ.
أما العقال، فهو الحزام الأسود الذي يثبت الشماغ، وقد كان قديماً حبلاً مصنوعاً من صوف الماعز، ويرمز إلى الانضباط والقوة، ويعكس القيم المتأصلة في المجتمع السعودي مثل الوقار والاحترام.
اقرأ أيضاً: الجمعة السوداء في السعودية: ما تحتاج لمعرفته
اختلاف الثوب بين المناطق السعودية
رغم أن الثوب التقليدي يعدّ الزيّ الرسمي للرجال في أنحاء المملكة كافة، إلا أن التفاصيل والتفضيلات تختلف من منطقة لأخرى.
ففي المنطقة الغربية، وخاصة الحجاز، تأثرت الأزياء بالعلاقات التجارية مع الدول المجاورة، وأضفت عليها لمسات من الأناقة والفخامة، فالثوب الحجازي يمتاز بقصة انسيابية، مع تفاصيل دقيقة مثل الأزرار المطرزة والأكمام الراقية، وعند المناسبات، يرتدي الرجال البشت الحجازي المصنوع من الأقمشة الفخمة، والمزين بخيوط ذهبية أو فضية.
وفي الجنوب، يتناسب الثوب مع الطبيعة الجبلية والمناخ المعتدل، غالباً ما يكون مصنوعاً من القطن أو الكتان لتوفير الراحة في الأجواء الدافئة، يرافق الثوب أحياناً حزام جلدي عريض، يستخدم لحمل الخناجر التقليدية أو الجنابي.
أما في المنطقة الشمالية، يرتدي السكان الثوب الفضفاض المصنوع من الأقمشة الثقيلة، ليتناسب مع للطقس البارد في الشتاء، ويرتدون فوقه المشلح أو البشت السميك، ويستخدم الشماغ الأحمر أو الغترة البيضاء مع العقال الأسود السميك كجزء أساسي من زيهم التقليدي.
اقرأ أيضاً: أفضل متاجر الملابس الرياضية للأولاد في مدينة الرياض
أهمية البشت في الزيّ السعودي
ومن اللافت للنظر، أن الرجال في أغلب المناطق السعودية يضيفون البشت أو المشلح، وهو رداء خارجي يمنح مظهراً رسمياً ويعكس المكانة الاجتماعية، يرتديه الرجال في حفلات الزفاف والمناسبات الدينية والاجتماعات الرسمية.
يُصنع البشت عادةً من خامات فاخرة مثل الصوف الناعم أو الحرير، و يأتي بتصاميم متنوعة وألوان متعددة تناسب مختلف الأوقات، فالألوان الفاتحة مثل الذهبي والبيج مفضلة خلال النهار، بينما يتم اعتماد الألوان الداكنة مثل الأسود والبني في المساء والمناسبات الرسمية.
وعند ذكر البشت، لا يمكن إلا أن نتذكر البشت الفاخر الذي ارتداه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عند جولته إلى العلا قي بداية هذا العام، ولفت الأنظار إليه وبات الجميع يتحدثون عنه وعن أناقته.
نُسج هذا البشت من الوبر الثقيل المستخرج من حيوان اللاما الذي يعيش في جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية، ويعرف هذا الوبر بـ”جبر”، يمتاز بثقله الفاخر، وتصميمه ليناسب مناسبات الشتاء الباردة، فهو يوفر الدفئ والأناقة في آنٍ معاً.
ختاماً، يستمر الثوب السعودي في رحلة تطوره، محملاً بقصص العراقة والتراث، ومعبّراً عن ثقافة وهوية مجتمع يتغير باستمرار.
اقرأ أيضاً: الدحَّة السعودية تراث شعبي يروي قصص الأجداد