يحل شهر رمضان المبارك كل عام حاملًا معه أجواء إيمانية وروحانية تعزز قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، وفي معظم الدول الإسلامية، تتحول الشوارع والمنازل إلى لوحات مضيئة بالفوانيس والزينة، وتنبض المساجد بالحياة في ليالي القيام، فيما تجتمع العائلات حول موائد الإفطار، مستمتعة بالأجواء الدافئة التي يختص بها هذا الشهر الفضيل، لكن هذه الصورة المبهجة تأخذ طابعًا مختلفًا لمن يعيشون في الغربة، حيث يجد المغتربون أنفسهم أمام واقع يفتقد كثيرًا من التفاصيل التي ترسم ملامح رمضان في أوطانهم. ورغم أنّ المغتربين الذين يعيشون في السعودية قد لا يعانون من هذه المشكلات، بسبب الألفة التي يوفرها لهم المكان، فشعور الاغتراب يستحق أن يُذكر.
غياب الأجواء الرمضانية
أول ما يلاحظه المغترب في غير الدول الإسلامية عند حلول رمضان هو غياب المظاهر الاحتفالية التي اعتاد عليها، ففي الدول ذات الأغلبية المسلمة، تكتسي الشوارع بالإضاءات الرمضانية، وتعم الاحتفالات الأسواق والمساجد، أما في الدول غير الإسلامية، فقد تكون هذه المظاهر شبه معدومة، مقتصرة على بعض المساجد والمراكز الإسلامية.
حتى في الدول الإسلامية التي تحتضن جاليات مغتربة، قد يواجه البعض اختلافًا في العادات والتقاليد، مما يجعلهم يشعرون بالحنين إلى أوطانهم.
ولا يقتصر الحنين على المشاهد البصرية فحسب، بل يمتد إلى أصوات رمضان المميزة، كالمسحراتي وصوت الأذان الذي يملأ الأرجاء، والأجواء الاجتماعية التي تعزز مشاعر الانتماء.
هذا الغياب يجعل المغتربين يدركون قيمة التفاصيل الصغيرة التي كانوا يعتبرونها جزءًا من روتينهم اليومي في بلادهم.
تحديات المغتربين في رمضان
إلى جانب غياب الأجواء الرمضانية، يواجه المغتربون تحديات أخرى تجعل تجربة الصيام مختلفة وصعبة في بعض الأحيان.
ومن أبرز هذه التحديات الشعور بالوحدة، خاصة عند حلول وقت الإفطار، حيث يجد المغترب نفسه يتناول طعامه وحيدًا، بعيدًا عن دفء العائلة والتجمعات التي كانت تضفي على الشهر روحًا خاصة.
ومهما حاول تعويض هذا النقص بالتواصل مع الأهل عبر مكالمات الفيديو، فإن الشاشة لا تستطيع أن تحل محل المائدة التي كانت تجمع الأحبة.
هناك أيضًا التحدي المتعلق بالتوفيق بين متطلبات الصيام وضغوط العمل أو الدراسة، خاصة في الدول التي لا تراعي خصوصية الشهر الكريم.
فبينما ينعم المسلمون في بلادهم بأجواء تساعدهم على الصيام، يضطر المغتربون إلى مواصلة أعمالهم ودراساتهم وفق جداول غير مرنة، مما يجعل الصيام مرهقًا، خاصة مع اختلاف ساعات الصيام بين الدول.
كما قد يواجه البعض صعوبة في الحصول على الأطعمة الحلال التي اعتادوا عليها، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل قد لا توفر لهم نفس الإحساس بالراحة والارتباط بالماضي.
وحتى في الدول الإسلامية، قد يفتقد المغتربون الطقوس الخاصة التي تميز رمضان في أوطانهم، مما يزيد من إحساسهم بالغربة.
اقرأ أيضاً: زينة رمضان في السعودية.. تقليد عائلي يعكس روح الشهر الكريم
البحث عن الانتماء في الغربة
رغم التحديات، يسعى المغتربون إلى خلق أجواء رمضانية خاصة بهم تعوضهم عن الغياب القسري لمظاهر الشهر الكريم في أوطانهم. إحدى الوسائل التي يعتمدون عليها هي بناء مجتمعات مصغرة، حيث يجتمعون مع الأصدقاء والجيران المسلمين لتناول الإفطار معًا، مما يعزز الشعور بالتكاتف والانتماء.
وتلعب المساجد والمراكز الإسلامية دورًا محوريًا في هذا الجانب، حيث تنظم موائد إفطار جماعية تجمع المسلمين من مختلف الجنسيات، مما يخلق بيئة دافئة تساهم في تخفيف الشعور بالوحدة. كما توفر هذه المراكز أماكن للصلاة والتراويح، مما يساعد المغتربين على الحفاظ على أجواءهم الروحية.
إضافة إلى ذلك، أصبحت التكنولوجيا وسيلة لا غنى عنها للمغتربين في رمضان، حيث تتيح لهم البقاء على اتصال دائم مع الأهل والأصدقاء، ومشاركة لحظاتهم الرمضانية عبر مكالمات الفيديو والرسائل النصية. ورغم أن هذه الحلول لا تعوض الأجواء التقليدية، فإنها تخفف من وطأة الغربة وتمنح المغتربين شعورًا بأنهم لا يزالون جزءًا من مجتمعاتهم الأصلية.
رمضان في الغربة.. فرصة للتأمل والتقرب إلى الله
في ظل هذه التجربة المختلفة، قد يجد بعض المغتربين في الغربة فرصة لتعزيز علاقتهم الروحية بالله، بعيدًا عن الصخب الاجتماعي المعتاد في الوطن. ففي هدوء بلاد المهجر، قد تتاح لهم فرصة أكبر للتركيز على العبادة، وقراءة القرآن، والتأمل في معاني الشهر الفضيل. قد يكون هذا الجانب من رمضان في الغربة تجربة غنية تمنحهم منظورًا أعمق حول الصيام ليس فقط كعبادة، بل كوسيلة للتأمل والنمو الشخصي.
كما أن تجربة العيش كأقلية مسلمة في مجتمعات غير مسلمة تزيد من فهمهم لقيمة التضامن والتكاتف، وتعلمهم كيف يكونون سفراء لدينهم وثقافتهم، فيمثلون الإسلام بسلوكهم الإيجابي وأخلاقهم الحميدة.
يقول أحمد، وهو مهندس مصري يقيم في كندا منذ خمس سنوات: “رمضان هنا مختلف تمامًا، أفتقد صوت الأذان الذي يملأ الحي، وأفتقد لمة العائلة على الإفطار، لكنني وجدت في الجالية المسلمة عائلة ثانية، حيث نجتمع في بيت أحد الأصدقاء للإفطار كل أسبوع، ونتبادل الذكريات عن رمضان في بلادنا، والمساجد هنا تنظم موائد إفطار وتجمعات رمضانية، مما يساعدنا كثيرًا على الشعور بالانتماء، وفي أول رمضان لي هنا، شعرت بوحدة شديدة، لكن بفضل هذه التجمعات، استطعت أن أجد عوضًا عن عائلتي.”
اقرأ أيضاً: المسلسلات السعودية في رمضان 2025 رحلة بين الكوميديا والدراما
في الختام، رمضان في الغربة تجربة فريدة تمزج بين مشاعر الشوق إلى الأهل والوطن، وبين السعي لإيجاد طرق جديدة للاحتفال بالشهر الكريم في بيئة مختلفة.
ورغم التحديات، يظل المغتربون قادرين على الحفاظ على روح رمضان، سواء عبر بناء مجتمعاتهم الخاصة، أو بالاستفادة من التكنولوجيا، أو من خلال التركيز على الجانب الروحي للشهر الفضيل.
فمهما ابتعدت المسافات، يبقى رمضان شهرًا يجمع القلوب، ويؤكد أن الإيمان والتكاتف يمكن أن يخلقا وطنًا بديلًا أينما حل الإنسان، وهو الأمر الذي كما قلنا في المقدمة، قد يجده المغتربون في السعودية موجوداً أكثر من أيّ مكانٍ آخر على وجه كوكب الاغتراب.
اقرأ أيضاً: أفضل الشواطئ النسائية في جدة 2025