تعدّ كسوة الكعبة المشرفة رمزاً للفخامة والتقديس بين المسلمين، بدأت رحلتها عندما كسا الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة بالثياب اليمانية بعد فتح مكة، لتتوالى بعدها مراحل تطورها، حتى أصبحت تحفة فنية يكسوها الحرير وتزينها خيوط الفضة والذهب، وفي هذا المقال سنعرفكم على تاريخ تطور الكسوة عبر الزمن، من قبل الإسلام وحتى الوقت الحاضر.
كسوة الكعبة قبل الإسلام
يعود تاريخ كسوة الكعبة المشرفة إلى عصور ما قبل الإسلام، حين كانت تُكسى بالأقمشة الغليظة والجلود تعبيراً عن التقديس والإجلال للمكان المبارك.
وتختلف الروايات حول أول من كساها، إذ تشير بعض المصادر إلى أن سيدنا إسماعيل عليه السلام كان أول من كساها، وتذهب روايات أخرى إلى أن عدنان جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من قام بذلك.
ولكن التاريخ المدوّن يثبت أن تبّع أبي كرب أسعد، أحد ملوك حمير، كان أول من كسا الكعبة كسوة كاملة، وذلك قبل الهجرة النبوية بحوالي 220 عاماً.
ويُقال إنّ هذا الملك الحميري، أثناء عودته من إحدى غزواته إلى يثرب (المدينة المنورة حالياً)، رأى في منامه أنه يكسو الكعبة ويجعل لها باباً ومفتاحاً، وعندما وصل إلى مكة نفّذ رؤياه، فكسا الكعبة الخصف، وهي كسوة بدائية، ثم المعافير، وهي أثواب يمنية، والملاء، وهي كسوة ناعمة ورقيقة.
وقد أثنى النبي محمد صلى الله عليه وسلم على تبّع، ونهى عن سبّه بقوله: “لا تسبوا تبّعاً، فإنه كان قد أسلم” (رواه أحمد في مسنده عن سهل بن سعد).
اقرأ أيضاً: من إبراهيم الخليل إلى محمد (ص).. قصة سدانة الكعبة المشرفة
وبعد تبّع، استمر خلفاؤه في الاهتمام بكسوة الكعبة، حيث كُسيت بالوصايل، وهي أثواب حمراء مخططة، والعصب، وهي أثواب يمنية تتميز بطريقة غزلها الفريدة
ونتج تنوع الكسوة في تلك الفترة عن كون هذا العمل فردياً، فقد كان الأفراد من ذوي النذور يقدمونها وفقاً لقدراتهم المالية، فمنهم من استخدم الأقمشة البسيطة كالكِرار والخيش، ومنهم من أهدى الكسوة المصنوعة من الديباج الفاخر، الذي كان من أغلى الأقمشة في ذلك الوقت.
وتطورت كسوة الكعبة على مرّ القرون وباتت مصدر تنافس بين القبائل العربية، حتى جاء قصي بن كلاب، أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، ففرض على القبائل أن تشارك في رفادة الكعبة سنوياً، أي تتقاسم تكاليف كسوتها.
ومن النسوة، كانت نُتيلة بنت جناب بن كليب، والدة العباس بن عبد المطلب، أول امرأة تكسو الكعبة في الجاهلية، وتروي القصة أن العباس ضلَّ الطريق وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو الكعبة بالديباج الأبيض، وعندما تحقق نذرها قامت بذلك.
اقرأ أيضاً: ما هي قصة السيف الأجرب سيف ملوك السعودية
الكسوة في الإسلام
على الرغم من أن المصادر التاريخية لم تذكر بصورة دقيقة أن المسلمين كَسوا الكعبة قبل فتح مكة، إلّا أنّ بعض الروايات تشير إلى أنّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان أول من كساها في الإسلام بالقباطي، وهو نوع فاخر من الأقمشة المصرية.
فعند فتح مكة، أبقى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوة التي وضعت في عهد المشركين حتى احترقت عندما حاولت امرأة تبخيرها، فكسَاها بالثياب اليمانية، ثم واصل الخلفاء الراشدون هذا التقليد، فكساها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالقباطي والبرود اليمانية.
أما عثمان بن عفان رضي الله عنه، فابتكر تقليداً جديداً، وكساها بكسوتين إحداهما فوق الأخرى، ولم ترد إشارات تاريخية بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد قام بكسوتها، وربما يعود السبب لانشغاله بالفتن التي وقعت في عهده، ومع توالي العصور، تعهّد ملوك الإسلام وسلاطينه برعاية الكعبة والاهتمام بكسوتها، وعدّوا ذلك واجباً دينياً.
اقرأ أيضاً: كل ما تود معرفته عن مناسك العمرة في السعودية
في العصر العباسي، كانوا يغيرون كسوة الكعبة عدة مرات سنوياً، حيث أمر الخليفة المأمون بكسوتها ثلاث مرات بالديباج والقباطي، وتغير لونها عبر الزمن من الأحمر والأبيض إلى الأصفر والأخضر، حتى استقر الخليفة الناصر لدين الله على اللون الأسود الذي لا يزال حتى اليوم.
وأيضاً، برزت الزخرفة والكتابة على الكسوة في عصر العباسين، ونافسهم الفاطميون بإرسال كسوة فاخرة مزينة بالياقوت والزمرد من مصر.
وتولت مصر صناعة كسوة الكعبة منذ عهد عمر بن الخطاب، واستمرت حتى عام 1962، وبعدها انتقلت المسؤولية إلى المملكة العربية السعودية.
اقرأ أيضاً: سكك المهرة: مزيج فريد من العمارة التراثية واللمسة العصرية
صناعة كسوة الكعبة في المملكة
كان ذلك في عام 1346هـ (1926م)، حين أمر الملك عبد العزيز آل سعود بإنشاء مصنع أم القرى لصناعة كسوة الكعبة، واستقطب حرفيين مهرة لصناعة النسيج المقدس.
وفي عام 1382هـ، صدر مرسوم بتجديد المصنع، ليستمر إنتاجه حتى عام 1977م، ولاحقاً، تم افتتاح مصنع جديد في أم الجود، وجُهِّز بتقنيات حديثة للحفاظ على تقاليد الصناعة مع التطور الحديث.
وتمرّ كسوة الكعبة المشرفة بمراحل دقيقة تبدأ بالصباغة، وفيها تتم معالجة الحرير الطبيعي لإزالة الصمغ وتلوينه بالأسود للكسوة الخارجية والأخضر للداخلية، وتلي الصباغة مرحلة النسيج، حيث تُحوَّل الخيوط الحريرية إلى أقمشة عبر عمليات التسدية واللُّحمة باستخدام أنوال يدوية وآلية.
ثم تأتي مرحلة التصميم ورسم الزخارف والخطوط الإسلامية بدقة، وبعدها الطباعة بواسطة قوالب خاصة لنقل النقوش والتصاميم على القماش استعداداً للتطريز الفاخر بخيوط الذهب والفضة.
اقرأ أيضاً: مسجد القبلي: التراث المعماري النجدي يسطع من جديد!
وتُسلَّم الكسوة رسمياً إلى كبير سدنة الكعبة بعد الفحص الدقيق والتجميع في احتفال سنوي بموسم الحج، وتُبدَّل الكسوة مرة واحدة في السنة، بينما تُغسَل الكعبة مرتين بماء زمزم وتُطيّب بدهن العود وماء الورد في شعبان وذي الحجة، في تقليد ديني يحظى برعاية حكام المملكة العربية السعودية.
وبعد استبدال كسوة الكعبة، يتم تجزئتها إلى 56 جزءاً مذهّباً، ثم تُنقل إلى مستودعات خاصة، ومن هناك يصدر خادم الحرمين الشريفين أوامر بتوزيع هذه الأجزاء، وغالباً ما تُهدى إلى رؤساء الدول والسفراء المعتمدين في المملكة، إضافة إلى أمراء المناطق وكبار الشخصيات وفقاً للتوجيهات السامية.
ختاماً، تمثل كسوة الكعبة المشرفة بكل تفصيل من تفاصيلها رابطاً حيّاً بين الماضي والحاضر، وتظل شاهداً على الإيمان والعناية بالمكان الذي يعدّ قلب العالم الإسلامي.
اقرأ أيضاً: مزارات مكة المكرمة: رحلة مع الأماكن المقدسة في السعودية