تستضيف مدينة جدة السعودية جولة جديدة من المحادثات، بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بشأن حرب أوكرانيا، يوم الأحد المقبل.
وأعلن البيت الأبيض أن وفداً دبلوماسياً أمريكياً سيتوجه إلى السعودية، بقيادة مستشار الأمن القومي مايك والتس – Mike Walts ووزير الخارجية ماركو روبيو – Marco Rubio لبحث تفاصيل إضافية حول الملف الأوكراني مع روسيا.
وهذه المرة الأولى التي تجري مفاوضات روسية – أمريكية مباشرة، بعد اللقاء الشهير في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي ونظيره الأوكراني، وما رافقه من جدل كبير أدى في النهاية إلى انسحاب زيلينسكي من اللقاء بطريقة غير دبلوماسية، بعد تعرّضه للإهانة من ترامب.
وكانت السعودية استضافت قبل أيام مباحثات بين مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين أفضت إلى موافقة أوكرانيا على مقترح هدنة، ووقف القتال لمدة 30 يوماً وانطلاق مباحثات لإنهاء الحرب، إضافة إلى موافقة كييف على صفقة المعادن مع الولايات المتحدة.
ويُعتبر التوافق الروسي – الأمريكي على استضافة السعودية للمباحثات الثنائية، دليلاً على على الدور الريادي الذي صارت تلعبه المملكة في حلّ النزاعات الدولية، فكيف وصلت السعودية إلى هذه المكانة؟
وسيط دولي محايد
يتمتع ولي العهد السعودية محمد بن سلمان بعلاقات قوية مع كل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين – Vladimir Putin والأمريكي دونالد ترامب – Donald Trump، وهو ما مكّن المملكة من قيادة الجهود الرامية لتذليل الخلافات بين موسكو وواشنطن، وخاصّة ما يتعلق بالملف الأوكراني، والذي لعبت الرياض فيه دوراً بارزاً، من خلال رعايتها لصفقات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا أكثر من مرة منذ شباط 2022.
لكن الأمر لا يقتصر على الحوار الروسي – الأمريكي حول أوكرانيا، فالسعودية سعت خلال الأعوام القليلة الماضية للحفاظ على موقف الحياد، من أجل الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المشاركة في النزاعات التي تسعى إلى التوسط فيها، لتُثبت المملكة أنها بالفعل مركزاً دولياً للحوار.
وبمثال على الحياد السعودي في الملفات الدولية الشائكة، رفضت المملكة الانضمام إلى انتقادات الغرب وعقوباته ضد روسيا، بالمقابل حافظت الرياض على اتصال دائم بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي – Volodymyr Zelensky، وقدّمت المملكة حزم مساعدات إنسانية ومساعدات طبيّة بقيمة ملايين الدولارات لأوكرانيا، وهذه المواقف جعلها تحظى باحترام الأطراف المتنازعة شرقاً وغرباً.
ولم تكن جولات المحادثات الأخيرة بين الولايات المتحدة وروسيا في السعودية هي الأولى من نوعها، ففي عام 2024 ساعدت الرياض على اتفاق تاريخي لتبادل الأسرى بين موسكو وواشنطن.
كما كشفت تقارير إعلامية عن احتمال أن تستضيف الرياض اجتماعاً رئاسياً وجهاً لوجه بين ترامب وبوتين، ليكون اللقاء الأول بين الزعيمين منذ وصول الرئيس الأمريكي الجمهوري إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية.
وإلى جانب تسهيل المحادثات بين روسيا والولايات المتحدة، تلعب المملكة العربية السعودية دوراً بارزاً في حلّ صراعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتحديداً ملفات فلسطين ولبنان وسوريا والسودان واليمن.
وانتهجت السعودية سياسة الحوار والتفاوض لحلّ مشاكلها أيضاً، حيث نجحت بحل الأزمة السياسية والدبلوماسية مع إيران من خلال مفاوضات استضافتها العاصمة الصينية بكين، وهو ما مهّد الطريق أمام المملكة لتكون رائدة في حل الأزمات السياسية عبر الحوار.
اتفاقات تاريخية
يعتبر اتفاق الطائف الذي تم التوصل إليه في 22 تشرين الأول 1989 نقطة تحول في الدبلوماسية السعودية، حيث استضافت مدينة الطائف مفاوضات مكوكية بين قادة الأحزاب اللبنانية أدت في النهاية إلى وضع حدٍ للحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.
ورسم اتفاق الطائف شكل النظام السياسي اللبناني بعد الحرب، وحدد توزيع السلطات بين الطوائف اللبنانية، كما ساهم في تحقيق الاستقرار السياسي بعد سنوات من الصراع، وهذا الاتفاق لا يزال معمولاً به إلى اليوم.
وفي القضية الفلسطينية، كانت السعودية من أوائل الدول التي قدّمت مبادرات لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، حيث أطلقت المملكة مبادرة السلام عام 1981، والتي تضمّنت مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة في 1967، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
كما تقدّمت الرياض بمبادرة السلام الشهيرة عام 2002، والتي تبنتها الجامعة العربية وأصبحت تُسمى “المبادرة العربية للسلام”، وباتت المرجعية الوحيدة للتفاوض لإنهاء القضية الفلسطينية بشكل عادل وشامل.
وفي أيلول 2018، نجحت السعودية في إنهاء 10 سنوات من الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، ورغم فشل كل المحاولات السابقة لتقريب وجهات النظر بين الدولتين، إلا أن السعودية تمكّنت من إقناع الطرفين بالجلوس إلى طاولة الحوار وتوقيع ميثاق جدة للسلام، الذي أرسى الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بالكامل.
وكل ما سبق يؤكد أن السعودية تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى وسيط دولي في النزاعات الشائكة لما تتمتع به من حياد وثقة لدى مختلف الأطراف العالمية.
اقرأ أيضاً: السعودية تستضيف محادثات أميركية أوكرانية في جدة