كتب: محسن حسن
منذ أن كان الملك سلمان بن عبد العزيز ــ حفظه الله ورعاه ــ أميناً لمنطقة الرياض قبل أكثر من عقدين من الآن، وانشغاله بالحفاظ على الهوية الحضارية والمعمارية والتاريخية للمملكة، لم يغب عن ذهنه وجهوده الإنشائية والتحديثية مطلقاً، بل لم يفتقد هذا الحرص الهوياتي زخمه وحيويته المستمرة على مدار مراحل التطور والانتقال الثقافي والحضاري للبلاد، تلك التي حملتها بين طياتها استراتيجية 2030م الماضية قدماً نحو تحقيق أهدافها واحداً تلو الآخر.
وعلى عكس النهج التغريبي الذي تورطت فيه نماذج معمارية وإنشائية عديدة بطول المنطقة العربية وعرضها، من حيث نوعية الطرز البنائية وهيئات الإعمار والأهداف الماثلة وراء التصاميم المختلفة، لم تنجرف الفلسفة السلمانية الخاصة بالارتقاء العمراني ــــ والتي أسس لها الملك سلمان انطلاقاً من رؤيته الأصيلة عند تطوير بلدات صغيرة في العاصمة الرياض ــــ نحو الإغراق في استقطاب النماذج والتصاميم المعمارية الغربية وتوطينها في خطط التطوير والتحديث المنطلقة منذ سنوات عديدة، وإنما ارتكزت تلك الفلسفة إلى مجموعة من القيم الرامية ــ وبشكل مبكر ـــ إلى تحقيق حماية مستدامة وممتدة للهوية التراثية والثقافية والتاريخية لعموم المدن والبيئات السعودية على اختلاف أنماطها ومعطياتها المحلية والشعبية والإنشائية، وهو ما يعني امتلاك البعد المستقبلي والرغبة الوطنية المسبقة، في البعد عن التقليد أو الانبهار السطحي بنماذج مستوردة من التصميم المعماري، لا تلبي مضامين تلك القيم، ولا تحقق أهدافها.
ومن خلال الأسس والقواعد والمعايير التي يرصدها (ميثاق الملك سلمان العمراني)، نستطيع الوقوف على مدى شمولية الرؤية السلمانية المعمارية، ومدى إلمامها بالتفاصيل العميقة والمتميزة والتي تكفل لخطط الإعمار المختلفة الحصول على أعلى قدر من الحرفية المهنية والهندسية في رعاية التنسيق الحضاري والبعد البيئي والمخيلة التراثية والشعبية والأسرية في النظر إلى التصميم والبناء، ما يجعلنا أمام ميثاق معماري متكامل، يدرك أهمية التمسك بالأصول الماضوية الراسخة في عمق الثقافة الشعبية، وبالمعايير الجامعة لرعاية الجذور التاريخية العريقة للبيئة السعودية، جنباً إلى جنب، مع استحضار روح الحداثة ومزج تلك الروح بالتفاصيل التراثية اليومية والموسمية والمستدامة لأنشطة السعوديين، ضمن سياقاتهم الحياتية وبيئاتهم المحلية المميزة لطبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم.
وفي الحقيقة، فإن هذا الميثاق المعماري الشامل، ومن خلال معاييره الجامعة، بات يضمن خروج المصمم المعماري السعودي أو غير السعودي على أرض المملكة، بنماذج عمرانية ناطقة بالهوية الوطنية من جهة، وآخذة بتلابيب التميز المعماري والإنشائي الحديث من جهة ثانية، إلى جانب قيام تلك النماذج، بالتعبير المادي والشكلي المجسم، عن مفردات البيئة والإنسان وكافة الكائنات التي تزخر بها المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، الأمر الذي منح النماذج المعمارية السعودية فرصة الحضور المتكرر على منصات الجوائز الهندسية وضمن قوائم التميز الدولية في طرز البناء والإنشاء والتصميم؛ حيث حصلت العديد من المشاريع التي رعاها خادم الحرمين الشريفين، على جوائز مختلفة، وكان منها مثلاً مشروع حي السفارات، ومشروع تطوير القصر الملكي، ومشاريع أخرى عديدة، أصبحت تزين إطلالات السعودية البيئية بشكل دائم في أعين الناظرين الإقليميين والدوليين.
مسؤولية مجتمعية
ويعد من أهم الملامح الراسخة في الميثاق العمراني للملك سلمان بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ مراعاة البعد الاجتماعي المرتبط بالبيئة المستهدفة بالإعمار والتوسع الإنشائي؛ حيث شكلت المسؤولية الاجتماعية جوهر بنود هذا الميثاق، وجعلت من فتح آفاق الحياة الرحبة للسعوديين في مناطقهم وقراهم ومدنهم المختلفة، هدفاً موازياً للبناء والعمران؛ إذ لم تكن النية موجهة فقط نحو تمكين البلاد من بنية عمرانية وإنشائية وتصميمية على المستوى الشكلي والمظهري والدعائي، وإنما كان تطوير الحياة المجتمعية وتطوير الدخول المالية للأفراد ورفع وتيرة الحالة الاقتصادية للأسر والمناطق والبيئات المحلية المختلفة، أمراً حاضراً في الذهنية القيادية للمملكة.
وهذه النظرة الإيجابية لهدف المسؤولية المجتمعية، أصبحت تمثل ركيزة أساسية من ركائز البناء والتطوير، تعبر عنها قوانين السعودة بشكل صريح وواضح؛ فقد أراد الميثاق السلماني أن يتم الربط بوضوح وجلاء لا يشوبه شائبة، بين بدء العمران من جهة، والدعم الإيجابي الشامل للحياة المجتمعية وممارسة المسؤولية المجتمعية من جهة ثانية، وهو ما تنطق به كافة مشاريع التطوير الحالية، صغيرها وكبيرها في المملكة؛ حيث أصبح كل مشروع معماري آخذ في الظهور والبدء، قريناً ببث الحياة والرخاء وتحريك اقتصاد الأفراد والأسر والعائلات إلى مستويات إيجابية غير مسبوقة، وبشكل باتت خلاله مشاريع الإعمار تؤذن بتغيير واقع محيطها البيئي والسكاني والاجتماعي، تغييراً إيجابياً مستداماً، سواء على مستوى تطوير البنى التحتية، أو على مستوى التنمية البشرية وتطوير المستويات المهارية والمهنية والحرفية للمواطن السعودي، رجلاً كان أو امرأة.
اقرأ أيضاً: الطبقة الوسطى السعودية متطلبات البناء الراهن ومحددات التحديث القادم
سداسية ملهمة
ومن ينظر إلى جوهر الميثاق العمراني للملك سلمان بن عبد العزيز ــ حفظه الله ــ يجد أنه ينبني على سداسية ملهمة من الركائز والأسس الجامعة/المانعة من حيث الاستدامة وإيجابية التطوير والتجسيد الحسي والمعنوي لكل المكونات الأصيلة للمجتمع السعودي في الماضي والحاضر مروراً نحو المستقبل؛ فركيزة (الأصالة) ضمن سياق الميثاق، تنص على ضرورة مراعاة التصميم المعماري بيئته الحاضنة، أي أن يكون التصميم ابن بيئته، وأن يكون دافعاً إلى تعزيز الانتماء المجتمعي لمفردات وعناصر تلك البيئة الحاضنة، بل أن تكون التفاصيل الدقيقة، العامة والخاصة، للطرز المعمارية المعتمدة، مستوحاة من مفردات بيئية راسخة وأصيلة بين سكان المنطقة الحاضنة لتلك الطرز. أما الركيزة الثانية من ركائز الميثاق وهي (الاستمرارية)، فهي تحتم على منشيء التصميم العمراني، تحقيق عنصر الانسجام والانتقال المتدرج بين الطرز المعمارية القديمة والحديثة، ووفق إطلالة بانورامية ولونية وتحديثية، غير صادمة للعين أو مشعرة بالتنافر وعدم الأريحية والقبول عند الرؤية، وهو ما يهدف من ورائه الميثاق العمراني، إلى ضمان التواصل والتلاحم والتوازن بين التصاميم المعمارية الوطنية قديمها وجديدها.
أما الركيزتين التاليتين، وهما(محورية الإنسان) و(ملاءمة العيش)، فهما تشكلان حجر الزاوية في ضمان الهدف الإنساني والحياتي المراد تحقيقه من وراء التصاميم المعمارية والإنشائية المختلفة على أرض المملكة، حيث تشير الركيزة الثالثة إلى أهمية أن يكون الطراز المعماري المعتمد في مناطق المملكة وفي بيئاتها المتنوعة، خادماً للنمط الإنساني السائد وللنشاطات المختلفة لذلك النمط، وألا يكون ذلك الطراز مجافياً لاحتياجات السكان المحليين، أفراداً وجماعات، من حيث الاتساع والمساحة أو من حيث الشروط التراثية والحديثة للتقاليد والأعراف المستقرة بين هؤلاء السكان، ما يعني أن الميثاق العمراني، يشترط أن يدور التصميم المعماري السعودي مع الإنسان السعودي حيث دار، أصالة وحداثة، في حين تشير الركيزة الرابعة المشار إليها، إلى عدم إغفال المعايير الكمية والكيفية في التصاميم المعمارية، مما تتطلبه حياة السعوديين المتجددة، وبحيث تضفي تلك التصاميم على بيئتها الحاضنة قيماً اجتماعية واقتصادية وترفيهية وإنسانية وأمنية مضافة لقيم المعمار والبناء والتشييد ضمن مستوياتها الشكلية، وألا يقف الإعمار عند الحدود الجامدة والخرسانية بعيداً عن الالتحام بالواقع الإنساني والمعيشي لمن يتطلعون إلى هذا الإعمار ، ويسعون إلى الإفادة منه وتوظيفه حالاً ومستقبلاً.
وضمن سياق الميثاق السلماني الشامل، تؤكد ركيزتى(الابتكار) و(الاستدامة)، على الجوهر العملي المراد بلوغه معمارياً وعمرانياً في المملكة العربية السعودية؛ حيث تقدم الركيزة الخامسة معياراً وشرطاً إبداعياً في عموم التصاميم التي تعول عليها المملكة في التغيير والتطوير الحالي والمستقبلي، إذ يمثل عنصر الابتكار في التصميم المعماري ذاتياً، وفي إلهاماته محيطياً ومجتمعياً، إشارة بالغة إلى أهمية تعزيز وتشجيع العقلية المعمارية المبدعة، وإلى ضرورة فتح المجال أمام التصاميم والنماذج المعمارية والعمرانية الفائقة في توظيف التقنيات الحديثة وتطويعها في خدمة الأهداف المنشودة من قبل الميثاق، وبحيث يسعى كل تصميم معماري على أرض المملكة إلى أن يكون مبتكراً في ذاته شكلاً ومضموناً، وأن يكون أيضاً، محفزاً ومساعداً للآخرين على الابتكار والتطوير.
وبالطبع، تتجسد هنا قيمة الركيزة السادسة، وهي ركيزة الاستدامة، والتي ترتبط بها كافة المعايير العمرانية السابقة التي أوصى بها الميثاق، فلن يكون من المقبول أبداً أن تتحقق المعايير السابقة بعيداً عن هذه الركيزة، لأن العمران المؤقت أو المبني على مقاييس آنية قابلة للتداعي والانهيار، لن يحقق الدعم والمساندة المنشودين من قبل خطط الإصلاح السعودية الحالية والمستقبلية، ومن ثم، يأتي معيار الاستدامة، ليشكل درة التاج في عموم المعايير العمرانية التي يدعو إليها الميثاق العمراني السعودي، والتي يهدف من ورائها إلى لفت نظر المصمم المعماري، إلى أهمية مراعاة البعد الزمني في تصميمه، وإلى أن خطط المملكة العمرانية، ترى ضرورة قصوى في امتلاك بنية تحتية معمارية دائمة وطويلة الأجل، تستطيع مستقبلاً مواجهة التحديات البيئية والإجرائية، وتمنح الاقتصاد الوطني موارد متجددة دون الحاجة إلى الهدم والتشييد مجدداً.
اقرأ أيضاً: الصكوك الخضراء ابتكار سعودي يدعم الاستدامة
حماية متجددة
وباستحضار الحالة السعودية الراهنة من حيث البناء والتطوير، يمكننا النظر إلى جملة المعايير والتوصيات والشروط العمرانية السابقة التي تضمنها الميثاق السلماني، باعتبارها حماية ضرورية متجددة للبناء والتشييد والإنشاء بالمملكة، سواء في خطط الإصلاح الراهنة، أو الخطط الإصلاحية المستقبلية؛ فعلى مستوى الاقتصاد الوطني وأهداف تطويره وتنويعه ونقله من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع وغير نفطي، تتطلب المرحلتان الحالية والقادمة، الاعتماد على البنى التحتية المتطورة والمستدامة وفق المعايير السلمانية المشار إليها، سعياً نحو ترشيد الهدر في النفقات وتوسيع نطاق العمران الاستثماري أو القابل للاستثمار ، وهو ما يوفر أموالاً طائلة يمكن توظيفها في دعم خطط التطوير والإصلاح الشاملة. وعلى مستوى الاحتكاك الحضاري والثقافي والتراثي والهوياتي عموماً في المملكة، تتطلب المرحلة الراهنة وما يليها من مراحل تالية، تحقيق طفرات عمرانية حثيثة في كافة المدن والمناطق، وبشكل تنهض معه جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال التطبيق الواعي والدائم لمعايير الميثاق العمراني السعودي، والذي ضمن سياقاته الجوهرية، يفتح آفاقاً رحبة أمام تحقيق نجاح سعودي منقطع النظير في مجال تطوير المجتمعات والبيئات المحلية، وفق أسس ومباديء ناهضة اقتصادياً وحضارياً وتاريخياً، ما يعني أن التراخي في تطبيق بنود هذا الميثاق، هو من قبيل التفريط، ليس في تحقيق النجاح السعودي المنشود فقط، وإنما في حماية الهوية السعودية الوطنية أيضاً.
ومن ينظر إلى مجال العمران في المملكة العربية السعودية، لابد وأن يستحضر ذلك الثراء النوعي الذي تم اكتشافه مؤخراً في معظم البيئات والمناطق المحلية، فما من مكان ضاق أو اتسع من أماكن المملكة، إلا ويشمل بعداً من الأبعاد التي يمكن توظيفها وتطويرها واستثمارها من أجل الصالح العام والوطني والمجتمعي، ومن ثم، فنحن عندما نتحدث عن مجال التصاميم المعمارية، فنحن هنا لا نتحدث فقط عن مجرد مجموعة من الأبنية ذات الأشكال الهندسية الجذابة، وإنما نحن نتحدث عن منظومة اقتصادية متكاملة من المفردات والعناصر والخطوات، والتي إذا أُحسن الاهتمام بها، فسوف يترتب على ذلك ظهور نمط اقتصادي جديد وثري في عموم المناطق السعودية، وتعتي به نمط الاقتصاد المعماري أو الاستثمار العمراني بكل أبعاده وتفاصيله وأركانه العيدة والمتشابكة والتي يساند بعضها بعضاً، وفي واقع الحال، لدينا العديد من المؤشرات التي تؤكد وعي القيادة السعودية بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز ــ حفظه الله ــ وبمباشرة ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بذلك النمط الاقتصادي الواعد، وبقابليته للتطوير وفق رؤية متجددة، تتمكن خلالها البلاد من تحويل كل شبر من أراض الوطن إلى قوة اقتصادية واستثمارية وحضارية كبرى تساهم في وضع السعودية والسعوديين في المكانة اللائقة بهم ضمن أقوى المجتمعات والاقتصادات الكبرى العالمية.
تتبقى الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية باعتبارها الوجهة الدينية الأولى للمسلمين في العالم، تعد مهيأة بشكل كبير إلى استلهام جديد وفعال لكلاسيكيات العمارة الإسلامية في شتى بقاع الأرض، لا من أجل مجرد إحياء تلك الكلاسيكيات العمرانية، وإنما من أجل تطويرها والخروج منها بأنماط لا حصر لها من الإبداع المعماري الخادم لتحديات الاحتكاك الحضاري من جهة، ولتحديات التطوير الاقتصادي من جهة أخرى، فقط سيتطلب الأمر أن تعمل المملكة على إنشاء مركز استثماري جاذب للمواهب والكوادر المتخصصة في التصاميم المعمارية والهندسية من كافة دول العالم، وخاصة من الدول ذات التراث الإسلامي تاريخياً وحضارياً، ومن ثم، دمجهم جميعاً في مشروعات ريادية ومعمارية قادرة على تحقيق أهداف المملكة التراثية والحضارية والاقتصادية والاستثمارية، وهو بدوره ما سيكون خطوة إيجابية نحو استلهام أنماط معمارية وبنى تحتية غير مسبوقة من خلال تلك الكلاسيكيات الضاربة في عمق الزمن والتاريخ، الأمر الذي سيساعد حتماً في إنشاء جيل سعودي قادر على اعتلاء الصدارة في مجال التصاميم المعمارية، وهو ما سيكون ميثاق الملك سلمان العمراني حاضراً فيه بقوة كمرجع أساسي في هذا الإطار بكل تأكيد.
اقرأ أيضاً: أوتوميكانيكا الرياض 2025