يستعد مؤتمر الابتكار في استدامة المياه 2026 في جدة لاستقبال أكثر من 10 آلاف مشارك من أكثر من 140 دولة، إلى جانب 250 متحدثاً وأكثر من 150 علامة عارضة، وفق الموقع الرسمي والهيئة السعودية للمياه. يضع الموقع الحالي موعد المؤتمر بين 14 و16 ديسمبر. تبدو الأرقام في ظاهرها دليلاً على حجم فعالية دولية، لكنها تكشف في العمق طموحاً اقتصادياً وسياسياً، أن تنتقل السعودية من أكبر مشترٍ ومشغّل لحلول المياه إلى مكان تُطوّر فيه التقنية وتُموّل وتُختبر وتُصنع ثم تُصدّر.
هذا الطموح منطقي لأن الماء في المملكة ليس قطاعاً هامشياً. ندرة الموارد المتجددة، والاعتماد الكبير على التحلية، وكلفة نقل الماء من السواحل إلى المدن الداخلية، واستهلاك الزراعة للمياه الجوفية، تجعل الكفاءة مسألة أمن وميزانية وطاقة. وفي الوقت نفسه يمنح حجم المنظومة السعودية الباحث والشركة سوقاً اختبارية لا تتوافر في دول كثيرة. لكن استضافة العالم لا تصنع مركزاً عالمياً وحدها؛ المركز يظهر عندما تتحول الحشود إلى براءات ومصانع وشركات ناشئة وعقود تصدير وحلول تخفض الكلفة والأثر البيئي.
الابتكار هنا ضرورة وطنية قبل أن يكون صناعة
تصف الاستراتيجية الوطنية للمياه مناخ المملكة بأنه شديد الندرة في المياه المتجددة، وتلفت إلى أن التحلية توفر نحو 60% من إمدادات المياه الحضرية، بينما تتجاوز فاقد الشبكات 25% في بعض المناطق، وتظل كفاءة الري أقل من أفضل الممارسات. كما ترفع المسافات والارتفاعات كلفة ضخ المياه المحلاة من الساحل إلى الداخل، ويرتبط الإنتاج تاريخياً بالطاقة وله بصمة بيئية. لذلك لا يكفي بناء محطات أكبر كلما زاد الطلب؛ يجب إنتاج المتر المكعب بطاقة أقل، وتقليل الفاقد، وإعادة الاستخدام، وإدارة الطلب.
هذا الضغط يحول المملكة إلى زبون أول للتقنيات الجديدة. فالحكومة والمشغلون يملكون مشكلة واضحة وميزانيات شراء وأصولاً يمكن تجربة الحل عليها. وفي الابتكار التطبيقي، وجود عميل كبير مستعد للاختبار أهم أحياناً من المختبر وحده. إذا صُممت المشتريات لتكافئ الأداء لا اسم المورد، تستطيع محطة سعودية أن تكون منصة لإثبات تقنية أغشية أو استرداد طاقة أو كشف تسرب، ثم تصبح النتيجة مرجعاً للبيع في أسواق جافة أخرى.
حجم المنظومة يمنح السعودية مختبراً عالمياً
قالت وزارة البيئة والمياه والزراعة إن السعودية أكبر منتج للمياه المحلاة عالمياً، بطاقة يومية تتجاوز 16 مليون متر مكعب، وإن شبكة النقل تمتد لأكثر من 19 ألف كيلومتر وتغطي أكثر من 82% من المناطق المأهولة. كما جذبت 25 شراكة مع القطاع الخاص في الإنتاج والنقل وإعادة الاستخدام استثمارات تتجاوز 104 مليارات ريال. هذه الأرقام تعني أن تحسن كفاءة صغيراً في الطاقة أو الصيانة يوفر مبالغ كبيرة عندما يطبق على هذا الحجم.
الحجم ينتج كذلك بيانات تشغيلية عن الملوحة والأغشية والمضخات والأعطال والطلب في مناخ قاسٍ، وهي مادة أساسية للذكاء الاصطناعي والصيانة التنبؤية. لكنه لا يضمن ملكية المعرفة. يمكن لدولة أن تدير أكبر أصول العالم وتظل مستورداً للتقنية وقطع الغيار. لهذا تتمثل النقلة الحقيقية في تحويل بيانات التشغيل والعقود إلى قدرات بحثية وملكية فكرية وموردين محليين يستطيعون بيع منتجهم خارج السوق المحمية.
من شراء المعدات إلى تصنيعها وتصديرها
في يوليو 2026 أعلنت الهيئة السعودية للمياه توطين تصنيع أجهزة استرداد الطاقة المستخدمة في التحلية، وإنشاء أول منشأة من نوعها خارج الولايات المتحدة. وهذه الأجهزة تخفض استهلاك الطاقة وكلفة التشغيل في التناضح العكسي. كما أعلنت الهيئة في أبريل إنجازاً في خفض استهلاك الطاقة في مرحلة فصل الأملاح إلى 1.5 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب. مغزى الخبرين ليس الرقم القياسي وحده، بل الجمع بين كفاءة التشغيل وسلسلة الإمداد المحلية.
حول هذه الحلقة يمكن بناء صناعات أغشية ومضخات وصمامات وحساسات ومواد كيميائية وبرمجيات تحكم وتوائم رقمية وخدمات صيانة. التوطين الناجح لا يعني تجميع منتج مستورد فحسب؛ يعني هندسة وتصميماً واختباراً ومكوّناً محلياً ومورداً قادراً على المنافسة السعرية والتقنية. وعندما تُصدر الشركة السعودية جهازاً أو عقد تشغيل إلى الخارج، يتحول الإنفاق الضروري على الأمن المائي إلى صادرات غير نفطية ووظائف هندسية عالية المهارة.
لماذا تحتاج الاستراتيجية إلى مؤتمر بهذا الحجم؟
قطاع المياه مجزأ بين باحث يملك فكرة، وشركة ناشئة تملك نموذجاً، ومشغل يخشى المخاطرة، ومستثمر لا يعرف دورة العائد، ومنظم يحدد جودة الماء. المؤتمر يجمع هؤلاء في مكان واحد. وجود مشغلين وممولين وحكومات وباحثين وعارضين يسمح بتحويل ورقة علمية إلى تجربة، والتجربة إلى عقد، والعقد إلى تمويل للتوسع. كما يمنح السعودية فرصة التأثير في المعايير التي تحدد ما يعد حلاً آمناً وفعالاً.
الجائزة العالمية للابتكار في المياه تكمل هذا الدور. فقد جذبت نسختها السابقة 2570 طلباً من 119 دولة و316 جهة، وانتهت إلى 36 مشروعاً نهائياً و14 فائزاً. النسخة الرابعة توسع التركيز إلى الترشيد وكفاءة الاستخدام، إلى جانب الإنتاج والطاقة والجودة وإعادة الاستخدام والحلول الرقمية. القيمة لا تكون في منح الجائزة، بل في ربط الفائز بمنشأة اختبار ومشترٍ ومستثمر حتى يعبر ما يسمى «وادي الموت» بين النموذج والمشروع التجاري.
التقنيات المطلوبة أوسع من التحلية
التحلية تظل واجهة الخبرة السعودية، لكنها جزء من دورة كاملة. تحتاج المملكة إلى أغشية أكثر عمراً وأقل استهلاكاً للطاقة، وطاقة متجددة تقلل ارتباط الماء بالوقود، وحلول لمعالجة الرجيع الملحي أو استخراج معادن منه. كما تحتاج إلى توسيع معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في الصناعة والزراعة، حتى لا يُنتج ماء مرتفع الكلفة لاستخدام يمكن تلبيته بمصدر معالج.
وعلى جانب الشبكة، تستطيع العدادات الذكية والحساسات وتحليل الضغط تحديد التسرب قبل ظهوره، بينما تتنبأ الخوارزميات بالأعطال وتضبط الضخ وفق الطلب. وفي الزراعة، وهي أكبر مستهلك، ترتبط التقنية بالري الدقيق واختيار المحاصيل والتسعير والحوافز؛ فلا تعالج التكنولوجيا سياسة تشجع الاستهلاك. المركز العالمي الجاد يجمع هندسة الإنتاج بإدارة الطلب والاقتصاد السلوكي والحوكمة، لأن أرخص متر مكعب هو أحياناً الذي لم يُهدر.
المياه منصة للدبلوماسية والتمويل أيضاً
تدفع السعودية نحو دور يتجاوز السوق المحلية: أطلقت حوار المياه ضمن مجموعة العشرين في 2020، وتدعم إنشاء منظمة عالمية للمياه مقرها الرياض، وتستضيف المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه بين 21 و25 مارس 2027. ويتوقع موقع المنتدى أكثر من 20 ألف مشارك من أكثر من 150 دولة، مع مسارات للسياسة والتمويل والابتكار. بذلك تصبح جدة والرياض محطتين متتابعتين لبناء أجندة دولية لا مجرد مناسبتين منفصلتين.
هذه المكانة تمنح المملكة قدرة على توجيه رأس المال إلى ملف يعاني فجوة تمويل عالمية، وعلى تصدير نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتشغيل والعقود القائمة على الأداء. كما تدعم نفوذها في دول تحتاج إلى بنية مائية وتمويل وخبرة تشغيلية. لكن القيادة الدبلوماسية تكتسب المصداقية حين تُنشر نتائج المشاريع وكلفتها وانبعاثاتها، وتُتاح المعرفة للدول الأقل قدرة، لا حين تقتصر الشراكة على بيع تجهيزات باهظة.
المخاطر التي قد تُبقي الطموح في قاعة المؤتمر
أول المخاطر أن تُقاس المكانة بعدد الحضور والاتفاقيات الموقعة لا بعدد الحلول التي دخلت التشغيل. وثانيها أن تخفي الطاقة المدعومة أو العقود الحكومية الكلفة الحقيقية، فتبدو التقنية ناجحة محلياً ولا تستطيع المنافسة خارجياً. وهناك مخاطر بيئية للرجيع الملحي والانبعاثات، وسيبرانية لأن الشبكات الذكية ومحطات الماء بنية حرجة، إضافة إلى اعتماد محتمل على مورد واحد أو ملكية فكرية أجنبية.
لهذا تحتاج الاستراتيجية إلى مقاييس مستقلة: استهلاك الطاقة الكامل لكل متر مكعب من الإنتاج إلى التوزيع، وكلفة دورة الحياة، والانبعاثات، ونسبة الفاقد وإعادة الاستخدام، وقيمة المكوّن المحلي لا نسبته الشكلية، وعدد البراءات التي تحولت إلى مبيعات، وإيرادات تصدير تقنيات وخدمات المياه، وحجم رأس المال الجريء، ونسبة التجارب التي أصبحت عقوداً تجارية. هذه الأرقام أصعب من عد زوار المؤتمر، لكنها التي تثبت وجود مركز عالمي.
ما الذي يجعل السعودية مركزاً لا سوقاً كبيرة؟
بحلول 2030 ينبغي أن نرى مختبرات عالمية تنقل جزءاً من البحث إلى المملكة، وشركات ناشئة تحصل على بيانات ومواقع اختبار، وجامعات تخّرج مختصين، ومصانع تصدر مكونات، وشركات سعودية تدير محطات في الخارج بتقنية تملكها أو تطورها. كما ينبغي أن تصبح المعايير والعقود السعودية مرجعاً في الأسواق المشابهة، وأن يعمل المؤتمر كمنصة سنوية للإعلان عن نتائج تجارب العام السابق لا عن النوايا وحدها.
يمكن لمؤتمر ديسمبر أن يسرّع ذلك إذا نشر بعده قائمة بالمشروعات التجريبية والتمويل والمشترين والجدول التنفيذي، ثم عاد في النسخة التالية بتقرير متابعة. عندها يصبح تجمع 10 آلاف شخص بنية سوق تربط المعرفة بالطلب. أما إذا انتهى بانطباعات وصور وجوائز من دون مسار للتطبيق، فستظل السعودية أكبر مستخدم للتكنولوجيا لا المركز الذي ينتجها ويوجهها عالمياً.
تريد السعودية أن تصبح مركزاً عالمياً لتكنولوجيا المياه لأن الندرة منحتها حاجة ضخمة، والاستثمار منحها أصولاً وبيانات، ورؤية 2030 تمنحها سبباً لتحويل الإنفاق إلى صناعة وصادرات. كما يضيف المنتدى العالمي والمنظمة المقترحة والجوائز بعداً دبلوماسياً وتمويلياً يجعل الماء مجال نفوذ جديداً.
لكن المركز العالمي لا يُقاس بعدد المشاركين من 140 دولة، بل بما يحدث بعد مغادرتهم جدة: كم تقنية اختُبرت؟ كم مصنعاً وبراءة وشركة وصادرات نتجت؟ وكم انخفضت الطاقة والكلفة والفاقد والأثر البيئي؟ إذا أجابت السعودية بهذه المؤشرات، يتحول تحدي الماء إلى ميزة تنافسية. وإذا اكتفت بالاستضافة، يبقى الطموح أكبر من المنظومة.
اقرأ أيضاً: ترخيص جديد لتنظيم نشاط تدقيق المياه في السعودية

