في مجلس عائلي سعودي قد يختلف الحاضرون في العمر والعمل، لكن هاتفاً واحداً على الأقل سيُرفع لتصوير اللحظة وإرسالها عبر «سناب شات». صار التطبيق عند شريحة واسعة كاميرا يومية ورسالة ومجلساً صغيراً ونافذة متجر في الوقت نفسه. لذلك بدا إعلان الرئيس التنفيذي إيفان شبيغل في أكتوبر 2025 وصول مجتمع المنصة في المملكة إلى 26 مليون مستخدم قريباً من تجربة الناس، لا رقماً غريباً عنها.
مع ذلك، يحتاج العنوان الكبير إلى ضبط، فآخر تقدير رسمي متاح وضع سكان المملكة عند 35.3 مليوناً في منتصف 2024، بينهم 19.6 مليون سعودي و15.7 مليون غير سعودي. أي إن 26 مليوناً تساوي نحو ثلاثة أرباع السكان، وهي أكبر أصلاً من عدد المواطنين. لا يقول الرقم إن كل سعودي يستخدم التطبيق، بل إن حسابات أو مستخدمين كثيرين موجودون داخل سوق المملكة.
كما أنه صادر عن الشركة، لا عن تعداد مستقل منشور يشرح طريقة احتساب الشخص الفريد، فالانتشار حقيقي وضخم، أما مساواته بالمجتمع كله فمجاز يحتاج إلى هذه الهوامش.
ماذا يقيس رقم 26 مليوناً
قال شبيغل إن مجتمع «سناب شات» نما إلى 26 مليون شخص في بلد يقارب سكانه 33 مليوناً. كانت المقارنة تقارب أربعة أخماس السكان وفق المقام الذي استخدمه، بينما تخفضه بيانات الإحصاء الأحدث إلى نحو 74 في المئة. الفرق لا يطعن في الحضور، لكنه يبين حساسية النسبة للسنة والتعريف، والسكان يشملون أطفالاً دون الحد الأدنى للعمر، فيما تشترط المنصة 13 عاماً لإنشاء الحساب.
هناك أيضاً فرق بين مستخدم نشط شهرياً، وحساب يمكن للإعلانات الوصول إليه، وشخص فتح التطبيق مرة، ونسبة أجابت في مسح بأنها تستخدمه. «سناب» تحدثت في أغسطس 2025 عن أكثر من 25 مليون مستخدم نشط شهرياً، ثم جاء رقم 26 مليوناً. ولا توفر المادة المنشورة تدقيقاً مستقلاً يثبت عدم وجود حسابات متعددة أو يشرح التعامل مع الزائر والمقيم، فالأدق وصفه بأنه مقياس شركة قوي لاتساع السوق، لا بطاقة هوية رقمية لكل فرد.
المسح الرسمي يثبت القوة بطريقته
يقدم تقرير الإنترنت السعودي 2025 زاوية مختلفة، فقد وضعت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية «سناب شات» في المرتبة الثانية بين تطبيقات التواصل الاجتماعي بنسبة استخدام بلغت 83.6 في المئة لدى مستخدمي الإنترنت، بعد «واتساب». كما تصدر التطبيق خدمات الاتصال الصوتي والمرئي بنسبة 72.4 في المئة، فهذه نسب مسحية وليست عدداً مطابقاً لرقم الشركة، ولذلك لا ينبغي جمعهما أو التعامل معهما كقياس واحد.
لكن النتيجتين تلتقيان عند حقيقة واضحة، فالمنصة ليست هامشاً شبابياً صغيراً، إذ تقول بيانات الشركة إن نحو 90 في المئة من مستخدميها في المملكة بين 13 و34 عاماً، وإن 71 في المئة من الوالدين السعوديين يستخدمونها، فيما يفتح المستخدمون النشطون التطبيق أكثر من خمسين مرة يومياً. والأرقام كلها من «سناب»، لكنها ترسم سبب تحول التطبيق إلى عادة اجتماعية تمتد من الابن إلى الأب ومن الرسالة الخاصة إلى المشهد العام.
اقتصاد كامل داخل عدسة
حين تجتمع هذه الكثافة في منصة واحدة، تصبح الكاميرا سوقاً. فالمطعم يطلق طبقاً، ومتجر عطور يعرض تجربة، وصانع محتوى يبيع ثقته قبل المنتج، وفعالية تقيس الحضور بعدد القصص. وتقول الشركة إن أكثر من 85 في المئة من مستخدميها السعوديين يتفاعلون يومياً مع عدسات الواقع المعزز. وهذا يفتح عملاً للمبدعين والمطورين والوكالات، ويمنح الشركات الصغيرة باباً منخفض الكلفة إلى جمهور واسع.
إلا أن القيمة لا تتوزع بالتساوي، فالتاجر يدفع ليظهر، وصانع المحتوى يعمل داخل خوارزمية لا يملكها، والمنصة تحدد من يُرى وشروط تحقيق الدخل. قد يبني شخص رزقه سنوات ثم يتغير الوصول في تحديث واحد. لذلك يحتاج الاقتصاد الإبداعي إلى عقود أوضح وبيانات أداء قابلة للفهم ومهارات تسمح بنقل الجمهور بين قنوات متعددة، كي لا يصبح مشروع سعودي كامل مستأجراً في تطبيق أجنبي واحد.
القرب يصنع لغة وثقة وضغطاً
نجاح «سناب» في السعودية مرتبط بطبيعته الحميمة، فالرسالة والصورة تختفيان، والدائرة تبدو أقرب من منصة مفتوحة للجميع، واللهجة المحلية حاضرة بلا تكلف.. هذه الصفات جعلته مساحة لتوثيق الحياة اليومية لا لعرض نسخة رسمية منها فقط. لكنها صنعت أيضاً ضغطاً مستمراً للحضور والمقارنة، وحداً ضبابياً بين الصديق والإعلان حين يقدم المؤثر توصية مدفوعة بصوت شخصي.
مع اتساع المنصة، تصبح شفافية الإعلان ضرورة لا تفصيلاً أخلاقياً. وينبغي أن يعرف المتلقي متى يتحدث شخص عن تجربة ومتى ينفذ عقداً. كما تحتاج العلامات إلى قياس المبيعات لا المشاهدات وحدها، لأن رقم الوصول المغري قد يخفي تكراراً أو انتباهاً عابراً. فالمجتمع الذي يفتح الكاميرا كثيراً لا يعني أنه يصدق كل ما يمر أمامها.
الحماية في قلب قصة الانتشار
وجود المراهقين بكثافة يجعل السلامة جزءاً من المنتج نفسه، تضع «سناب» الحسابات بين 13 و15 عاماً في أوضاع أكثر تقييداً، وتقول إن الملفات العامة ليست متاحة لهم افتراضياً. مع ذلك، يظل التحقق من العمر والتواصل غير المرغوب فيه والتنمر والمحتوى الجنسي ومخاطر الاحتيال مسائل لا تُحل بإعداد أولي. الأسرة تحتاج أدوات مفهومة، والمدرسة تحتاج تربية رقمية، والمنصة تحتاج استجابة عربية سريعة.
وتُظهر تقارير الشفافية حجم العبء، ففي النصف الأول من 2025 سجلت الشركة 539 ألف إجراء إنفاذ في السعودية طالت نحو 322 ألف حساب فريد، ثم ارتفعت الأرقام في النصف الثاني. لا تعني هذه البيانات أن كل إجراء ثبت قضائياً أو أن النسبة يمكن تعميمها على المستخدمين، لكنها تؤكد أن الأذى ليس حادثاً نادراً.
منصة مهمة لا بنية وحيدة
يمكن للجهات العامة استخدام الوصول الهائل للتوعية والخدمة، لكن المعلومة الأساسية يجب ألا تعيش في «سناب» وحده. فإعلان صحي أو تحذير طقس أو تعليمات خدمة يحتاج موقعاً رسمياً وقنوات متعددة وإتاحة لمن لا يملك التطبيق. فالانتشار لا يحول شركة خاصة إلى مرفق عام، ولا يمنح خوارزميتها حق تقرير من تصل إليه الرسالة الضرورية.
في المقابل، تستطيع السعودية طلب قدر أكبر من الشفافية المتناسب مع حجم سوقها، وتعريف المستخدم النشط، وتقديرات الحسابات المكررة، وانتشار الفئات العمرية، وزمن معالجة البلاغات العربية، وطريقة وسم الإعلان، وأثر تغييرات الخوارزمية في المبدعين، كلها بيانات تساعد المجتمع والمنظم والسوق. فالنجاح الرقمي لا يُقاس بأن تكون منصة في كل يد فحسب، بل بأن يعرف الناس كيف تعمل القوة الموجودة في تلك اليد.
أخيراً، رقم 26 مليوناً يلتقط حقيقة يصعب إنكارها، فـ«سناب شات» أحد أكثر الأماكن الرقمية التصاقاً بالحياة السعودية، لكنه لا يعني 26 مليون مواطن، ولا يثبت وحده أن التطبيق يغطي كل المجتمع. هو رقم شركة عن سوق يضم مواطنين ومقيمين، ويحتاج إلى قراءة بجانب السكان ومسوح الاستخدام والحد الأدنى للعمر.
كلما اتسع التطبيق، اتسعت فرص التجارة والإبداع والتواصل، واتسعت معه مسؤوليته عن الإعلان والسلامة والشفافية. والمنصة التي تكاد تغطي مجتمعاً لا تعود مجرد ضيف على هواتفه.. تصبح صاحبة نفوذ يومي، ومن حق ذلك المجتمع أن يفهم هذا النفوذ وألا يضع حياته العامة كلها في نافذة واحدة.
اقرأ أيضاً: سناب شات تعزز تجربة المستخدمين بإصدار تحديثات جديدة

