ليس الرقم وحده ما يستحق التوقف عنده. 304 مليارات ريال إنفاقاً سياحياً في السعودية خلال عام 2025، و123 مليون سائح محلي ووافد، ونمو بنحو 7% في الإنفاق و6% في عدد السياح مقارنة بعام 2024. هذه ليست زيادة عابرة في جدول إحصائي. لكنها، في المقابل، ليست جواباً نهائياً عن سؤال التحول الاقتصادي. الرقم كبير، وربما ثقيل بما يكفي ليدخل القطاع مرحلة جديدة، إلا أن ثقله الحقيقي لا يُقاس بحجمه فقط، بل بما يتركه في الاقتصاد والعمل والمدن والوجهات وسلوك الناس.
أصدرت وزارة السياحة السعودية تقريرها الإحصائي السنوي لعام 2025 في 18 يونيو 2026، مقدمةً صورة شديدة التفاؤل عن القطاع. وزير السياحة أحمد بن عقيل الخطيب وصف النتائج بأنها دليل على الأثر الاقتصادي المتنامي للسياحة، وعلى تحولها إلى ركيزة من ركائز تنويع الاقتصاد ضمن رؤية 2030. الأرقام تساعد هذا الوصف. لكنها تفتح سؤالاً آخر أكثر حساسية، هل دخلت السياحة السعودية فعلاً مرحلة الأرقام الثقيلة، أم أن القطاع ما زال في مرحلة إثبات القدرة على تحويل الإنفاق الكبير إلى أثر مستقر وعميق؟
السياحة السعودية بين الرقم والسؤال
تكشف البيانات المعلنة أن السياحة السعودية لم تعد تتحرك على هامش الاقتصاد. إجمالي الإنفاق البالغ نحو 304 مليارات ريال توزع بين 176.6 مليار ريال أنفقها السياح الوافدون، و127.1 مليار ريال أنفقها السياح المحليون. اللافت هنا ليس التفوق العددي للسياحة المحلية، فقد بلغ عدد السياح المحليين 93.3 مليوناً مقابل 29.3 مليون وافد، بل الفارق في كثافة الإنفاق. الوافدون أقل عدداً بكثير، لكن إنفاقهم أعلى. هذه ملاحظة صغيرة في ظاهرها، كبيرة في معناها.
ما الذي تغيّر؟ تغيّر أن السياحة لم تعد تُقدَّم بوصفها نشاطاً ترفيهياً أو موسمياً فقط. صارت تُقاس بفائض في بند السفر ضمن ميزان المدفوعات بلغ 49.4 مليار ريال في عام 2025، وبمساهمة تجاوزت 61% من إجمالي الصادرات ضمن حساب الخدمات. وصارت تُقاس أيضاً بمساهمة مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 4.9% في عام 2024، مع نمو يقارب 14% مقارنة بالعام السابق. هنا يبدأ المعنى الاقتصادي للرقم. السياحة تدخل حسابات التنويع لا بوصفها شعاراً، بل كبند له أثر في ميزان المدفوعات والخدمات والتوظيف.
لكن هذا لا يعني أن كل شيء حُسم. الرقم يقول إن الطلب اتسع، وإن قدرة السعودية على جذب إنفاق سياحي أكبر أصبحت أوضح. لا يقول، وحده، إن العوائد موزعة بعدالة بين المناطق، ولا يقول إن المدن الصغيرة والوجهات الناشئة نالت حصتها، ولا يقول إن الوظائف الجديدة تحمل دائماً أجوراً كافية ومساراً مهنياً مستقراً. البيانات الرسمية تضيء جانباً مهماً من الصورة، أما الجانب الآخر فيحتاج إلى تتبع أطول، وأقرب إلى الأرض.
الرقم لا يقول كل شيء
الأرقام الثقيلة قد تخدع حين تبدو كأنها نهاية النقاش. 304 مليارات ريال رقم ضخم، لكنه لا يشرح وحده كيف صُنعت هذه القيمة، ولا أي سلاسل إنتاج وخدمات استفادت منها، ولا مقدار ما بقي داخل الاقتصاد المحلي بعد الإنفاق على التشغيل والاستيراد والإنشاءات والتسويق. هنا لا يعود السؤال عن عدد السياح فقط، بل عن نوع السياحة، ومستوى الإنفاق، وطبيعة المستفيدين، والمساحة التي تُفتح أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
تريد السعودية أن تصل إلى 150 مليون زيارة بحلول عام 2030، وأن تعزز موقع السياحة الدينية وغير الدينية معاً. التقرير يشير إلى أن زوار المبيت الوافدين لأغراض غير دينية بلغوا نحو 52% من إجمالي زوار المبيت في 2025، مقابل 44% في 2019. هذا التحول مهم لأنه يعني أن الطلب لم يعد محصوراً بالحج والعمرة والزيارة الدينية، رغم أن هذه تبقى قاعدة صلبة لا يمكن تجاهلها. دخول الترفيه والثقافة والفعاليات والوجهات الطبيعية والتاريخية إلى المعادلة يعني أن السعودية تحاول بناء سوق سياحية أوسع من الوظيفة التقليدية للزيارة.
المسألة هنا ليست سهلة. السياحة الدينية تملك طلباً مستقراً نسبياً بحكم مكانة مكة والمدينة، أما السياحة الترفيهية والثقافية والبيئية فتخضع لاختبار مختلف، اختبار الأسعار، وجودة التجربة، وسهولة الحركة، وسمعة الخدمات، وقدرة الوجهات على تكرار الزيارة لا جذبها مرة واحدة. السائح لا يعود لأن الإعلان كان ناجحاً. يعود حين يجد قيمة واضحة مقابل ما دفعه، وحين يشعر أن التجربة ليست واجهة مصقولة فقط.
هناك بعد اجتماعي لا يقل أهمية. التقرير يتحدث عن نحو 1.03 مليون عامل في الصناعات السياحية عام 2025، وعن ارتفاع مشاركة المرأة السعودية في الوظائف السياحية التي يشغلها السعوديون إلى 47%، مقارنة بنحو 5% في نهاية 2018. هذا رقم شديد الدلالة. القطاع لا يغيّر شكل الاقتصاد وحده، بل يلامس سوق العمل، وأنماط المشاركة، وصورة الوظائف المقبولة اجتماعياً. ومع ذلك، يبقى السؤال العملي قائماً. أي نوع من الوظائف يجري خلقه؟ هل هي وظائف موسمية أم طويلة الأمد؟ هل ترفع المهارات والأجور، أم تكتفي بتوسيع سوق خدمة منخفضة العائد؟ الجواب لا توفره الأرقام الإجمالية وحدها.
الاختبار في التنفيذ
اللافت أن الإعلان عن أرقام 2025 جاء في لحظة لا تخلو من ضغط. في الشهر نفسه، تحدث وزير السياحة عن تباطؤ في القطاع خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 بنسبة تتراوح بين 5% و6%، عازياً ذلك إلى أثر الحرب المرتبطة بإيران والتوترات الإقليمية. هذه المعلومة لا تنقض نتائج 2025، لكنها تمنع قراءتها كخط مستقيم صاعد بلا تعثر. السياحة قطاع حساس. يتأثر بالطيران، والأمن، والصورة العامة، وأسعار الفنادق، والإنفاق الاستهلاكي، وحتى بالمزاج السياسي في المنطقة.
هنا يظهر الفرق بين النمو بوصفه رقماً، والنضج بوصفه قدرة على الاحتمال. قطاع يستطيع تسجيل إنفاق تاريخي في عام، ثم يواجه تباطؤاً بفعل عامل إقليمي في العام التالي، يحتاج إلى إدارة دقيقة للمخاطر. لا يكفي أن تتوسع الوجهات والفنادق والفعاليات. المطلوب أن تتسع قاعدة الطلب، وأن لا يبقى جزء كبير من الرهان معلقاً على زائر مرتفع الإنفاق أو على موسم بعينه أو على مشروع ضخم عالي الكلفة.
تبدو السلطات السعودية واعية لهذا التحدي جزئياً. تصريحات سابقة لوزير السياحة تحدثت عن عدم إهمال شرائح الطبقة الوسطى، وعن تطوير خيارات سياحية أقل سعراً من نموذج المنتجعات الفاخرة. هذه نقطة جوهرية. فالسياحة التي تريد أن تتحول إلى قطاع اقتصادي ثقيل لا يمكن أن تُبنى فقط على الفخامة. الفخامة تصنع صورة وتستقطب إنفاقاً عالياً، لكنها لا تصنع وحدها سوقاً واسعة ومستقرة. السوق الواسعة تحتاج إلى فنادق متوسطة، ونقل مرن، ومدن قابلة للمشي، وأسعار مفهومة، وخدمات لا يشعر معها الزائر أنه يدفع ثمن العلامة أكثر مما يدفع ثمن التجربة.
المستفيد من هذا التحول يمكن أن يكون واسعاً إذا أُدير جيداً. شركات السفر، الفنادق، المطاعم، النقل، الحرف، الصناعات الثقافية، منظمو الفعاليات، ومجتمعات محلية كاملة حول الوجهات الجديدة. والمتضرر المحتمل قد يكون أيضاً واضحاً إذا تقدمت المشاريع من دون ضبط كاف، سكان يواجهون ارتفاع كلفة المعيشة في بعض المناطق، أو أعمال صغيرة لا تستطيع منافسة الشركات الكبرى، أو بيئات محلية تتعرض لضغط يفوق قدرتها على الاحتمال. السياحة ليست مالاً يدخل فقط. هي أيضاً إعادة تشكيل للمكان وللعلاقة بين السكان والزائرين والسوق.
لهذا لا يكفي الاحتفال بالرقم، ولا يصح تجاهله. 304 مليارات ريال تعني أن السياحة السعودية دخلت عتبة جديدة من حيث الحجم والاعتراف الاقتصادي. لكنها لا تعني أن المعركة انتهت. الامتحان القادم ليس في إعلان رقم أكبر، بل في تحويل هذا الرقم إلى اقتصاد أعمق، ووظائف أفضل، ووجهات أكثر توازناً، وسوق أقل هشاشة أمام الاضطراب. الرقم ثقيل، نعم. لكن ثقله الحقيقي سيظهر حين يصبح أقل اعتماداً على الإعلان، وأكثر قدرة على الصمود.
اقرأ أيضاً: الجسر الزجاجي بالقيم.. وجهة صيفية تعيد رسم تجربة السياحة في الباحة

