حين تُذكر الصحارى، تتبادر إلى الأذهان صور الجفاف، وكأنها أماكن تخلو من الحياة. لكن على ضفاف البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، تهمس الرمال بأسرار بيئية مذهلة. فهناك، في أحضان الصحارى والجبال، وبين شعاب المرجان وأشجار المانغروف، تختبئ ثروات طبيعية بقيت طويلاً بعيدة عن أعين العلم. واليوم، تكشف دراسة ميدانية شاملة الستار عن وجه آخر لهذا الامتداد الساحر، وجهٍ يزخر بتنوع بيولوجي استثنائي يغيّر كل المفاهيم السابقة حول بيئاتنا القاحلة.
ثروات طبيعية غير مسبوقة في بيئة البحر الأحمر البرية
أسفرت واحدة من أكبر الدراسات البيئية على الإطلاق في المنطقة، نفذتها شركة «البحر الأحمر الدولية» بالتعاون مع مركز BIOPOLIS/CIBIO التابع لجامعة بورتو البرتغالية، عن توثيق 375 نوعاً حيوانياً وأكثر من 200 نوع نباتي في البيئات البرية الساحلية للبحر الأحمر داخل السعودية. من بين هذه الأنواع، العديد لم يكن مسجلاً في قواعد البيانات العلمية، ما يفتح الباب أمام إضافات جديدة للعِلم وربما حتى اكتشاف أنواع جديدة بالكامل.
ومن بين الاكتشافات البارزة، نوع جديد من العقارب يُعرف بـ «العقرب الحفار العربي»، ونوعان من الزواحف هما برص المنازل وبرص الرمال. كما خضع أحد أنواع الثدييات الصغيرة من فصيلة العضَل لتحليلات جينية لتحديد ما إذا كان يمثل اكتشافاً علمياً جديداً.
توثيق بيئي شامل باستخدام أدوات دقيقة
امتدت الدراسة على مساحة تفوق 13 ألف كيلومتر مربع، وتضمنت أكثر من 120 موقعاً موزعة بين الجزر الساحلية، الكثبان الرملية، الحقول البركانية، الأراضي الرطبة، غابات المانغروف، الأودية والجبال. واعتمد فريق الدراسة على نظام معلومات جغرافية (GIS) بدقة تصل إلى 100 × 100 متر، لرسم خرائط دقيقة للموائل البيئية، وتحديد التوزيع المكاني للأنواع النباتية والحيوانية.
وهذا المستوى من الدقة والشمولية يجعل من الدراسة مرجعاً لا مثيل له لفهم البيئات البرية في المملكة، وربما في منطقة الشرق الأوسط ككل، التي طالما عانت من نقص كبير في الأبحاث الميدانية البيئية.
الأنواع النادرة والمهددة: دعوة لحمايتها قبل فوات الأوان
سلّط التقرير الضوء على 41 نوعاً مهدداً بالانقراض على المستوى المحلي، أبرزها نقّار الخشب العربي، المصنّف محلياً بأنه مهدد بخطر انقراض مرتفع، ويستوطن جبال البحر الأحمر. كما وثّق التقرير وجود الوعل النوبي، والخفاش المصري غائر الوجه، إلى جانب عقاب بونلي.
إلى جانب ذلك، رُصدت 88 نوعاً محصورة جغرافياً، يُعتقد أن بعضها لم يكن معروفاً علمياً من قبل، مما يؤكد مدى تفرّد هذه المنطقة. كما أظهر التقرير أن 18 نوعاً تعتمد على مواقع محددة داخل نطاق البحر الأحمر لتكاثرها وتغذيتها، ما يجعل من الحفاظ على هذه البيئات ضرورة ملحّة.
11 منطقة للتنوع الحيوي… وحدود جديدة للفهم
صنّف التقرير 11 منطقة رئيسية للتنوع الحيوي على طول ساحل البحر الأحمر، وذلك وفقاً لمعايير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN). هذه المناطق تضم 136 نوعاً ذات أهمية خاصة في جهود الحفظ، ما يعادل نحو 24% من التنوع البيولوجي الموثق في الدراسة.
ومن أبرز هذه المناطق «ضفة الوجه»، التي صُنّفت عالمياً على أنها «منطقة طيور مهمة»، حيث تستوطنها أعداد كبيرة من صقر الغروب (الأسخم)، بالإضافة إلى طائر الحنكور والنورس الأسحم. كما تُعدّ محطة توقف رئيسية للعديد من الطيور المهاجرة المهددة بالانقراض.
أما «أعالي وادي الحمض»، فقد صُنّفت منطقة مهمة لأنواع نادرة أبرزها الذئب العربي، الذي يواجه تهديدات مستمرة من الصيد الجائر، ما يعزز الحاجة إلى حماية بيئته الطبيعية وتشجيع التعايش مع المجتمعات المحلية.
من المعرفة إلى الاستدامة: كيف تسهم الدراسة في المستقبل؟
لم يكن هدف هذه الدراسة مجرد التوثيق، بل وضعت أساساً علمياً يُعتمد عليه في رسم استراتيجيات الاستدامة المستقبلية لمشاريع البحر الأحمر السياحية الكبرى، مثل «مشروع البحر الأحمر» و«أمالا».
فمن خلال هذه البيانات الدقيقة، تستطيع الجهات المسؤولة اتخاذ قرارات مدروسة بشأن استخدام الأراضي، واستعادة البيئات المتضررة، والحفاظ على الأنواع المهددة. وهذا يتماشى مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي تسعى إلى تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
وفي ظل توجه السعودية المتسارع نحو تطوير السياحة البيئية، تُعدّ نتائج هذه الدراسة فرصة ذهبية لجعل الحماية البيئية جزءاً من تجربة الزائر. فالمعرفة الدقيقة بتوزيع الأنواع وموائلها تتيح تصميم مسارات سياحية تراعي النظم البيئية، وتساهم في رفع الوعي بأهمية التنوع البيولوجي المحلي.
ومن هذا المنطلق، تتحول الطبيعة من مجرد خلفية للمشاريع السياحية إلى شريك أساسي في عملية التنمية، بما يُعزز من مكانة السعودية كوجهة للسياحة المستدامة في المنطقة.
دور المجتمعات المحلية: مفتاح الحفاظ على الطبيعة
لا يمكن الحديث عن حماية البيئة دون إشراك المجتمعات المحلية. فقد أظهرت الدراسة أن كثيراً من الأنواع، مثل الذئب العربي والوعل النوبي، تتأثر مباشرة بسلوك الإنسان المحلي. لذا فإن تمكين المجتمعات، وتوعيتها، وإدماجها في جهود الحماية، ليس خياراً بل ضرورة.
التقرير يشير إلى أن التعاون مع السكان المحليين يمكن أن يسهم في تغيير المفاهيم النمطية عن بعض الحيوانات، وتشجيع السلوكيات التي تدعم الحفاظ على التنوع الحيوي، لا سيما في مناطق البحر الأحمر النائية.
بيئة البحر الأحمر… كنز لا يُقدّر بثمن
ختاماً، ما تكشفه هذه الدراسة يتجاوز الأرقام والخرائط. إنها شهادة حيّة على أن في أعماق صحارى البحر الأحمر حياة لا نكاد نراها، لكنها تزدهر بصمت، وتنتظر منّا أن نُقدّرها ونحميها. إنها دعوة مفتوحة للعِلم، والوعي، والعمل، حتى لا يفقد هذا الإرث الطبيعي الفريد في زحمة التنمية. فالتنوع البيئي ليس رفاهية، بل هو أساس الاستدامة البيئية، والركيزة التي تستند إليها رؤى المستقبل.
اقرأ أيضاً: بيوتي وورلد السعودية 2025: فرص استثمارية للعلامات التجارية

