مع تنامي استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في المملكة العربية السعودية، تبرز الحاجة إلى تمويلات ضخمة تضاهي التقدم الذي تطمح إليه المملكة، لا سيما وأنها صُنِّفت ضمن أكبر عشر دول عالمياً من حيث الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي، وفقاً لتقرير التنمية العالمية الصادر عن البنك الدولي لعام 2026.
ويبدو أن طموح المملكة يتسع باتساع مشاريعها المُعلنة، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم بتعزيز الاقتصاد السعودي، مع إمكانية مساهمته برفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6% خلال عقد، وهذا يتوقف على مدى تمكنها من تسريع عملية استثماراتها بهذا المجال، إلى جانب قدرتها على تقليص فجوة الجاهزية مقارنةً بالاقتصادات المتقدمة، وتنمية الصادرات المرتبطة بخدمات الذكاء الاصطناعي.
ولكن هذه الرؤى الطموحة والمساعي الحثيثة للمحافظة على مكانة المملكة عالمياً من حيث تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتطلب رؤوس أموال ضخمة، وهذا ما سلط الضوء عليه تقرير حديث لشركة ألفاريز آند مارسال (Alvarez & Marsal)، حيث يقدّر احتياجات تمويل مراكز البيانات في السعودية بعشرات مليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة.
تمويل مراكز البيانات في السعودية
وفقاً لبيانات شركة ألفاريز آند مارسال، فإن ما تشهده المملكة من طفرةٍ في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، قد يجعلها بحاجة إلى استثمارات رأسمالية تصل إلى 42 مليار دولار، وذلك في حال تنفيذ نصف المشاريع المعلنة فقط، وهو ما يطرح تساؤلاً ملحاً: من أين يأتي التمويل؟ وهذا ما سنجيب عنه في سطورنا التالية.
وتشير تقديرات الشركة إلى أن قدرة مراكز البيانات في السعودية تبلغ نحو 410 ميغاواط، وذلك من خلال 40 منشأة تقريباً، فيما تُرجح التوقعات وصولها إلى 1 غيغاواط بحلول عام 2030.
ولكن هذه القدرة ستزداد إلى ما بين 2.5 و3 غيغاواط بحال تنفيذ نصف المشاريع المُعلن عنها، انطلاقاً من ذلك يقدّر التقرير أن إجمالي الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة لتمويل مراكز البيانات في السعودية قد يبلغ 28–42 مليار دولار، منها نحو 14 إلى 32 مليار دولار يمكن تمويله عن طريق الديون.
من أين يأتي التمويل؟
للوقوف عند مصدر التمويل اللازم، نعود إلى تصريح رئيس قطاع استشارات الديون في شركة ألفاريز آند مارسال، كيرت ديفيس عبر مقابلة تلفزيونية، الذي توقع أن تمويل هذه الطفرة لن يكون كافياً من مصدر واحد، حيث يمكن أن تتوزع المصادر التمويلية بين المصارف السعودية، والمؤسسات المالية، والمقرضين من القطاع الخاص، إلى جانب صناديق الاستثمار الخاصة.
بعبارة أخرى، يمكن القول إن مصادر رأس المال اللازم لتمويل مراكز البيانات في السعودية متعددة، ولكن التحدي يبرز في مدى القدرة على تأمين القروض والاستثمارات المطلوبة، وكيفية تأمين رؤوس الأموال اللازمة لتنفيذ هذه المشاريع فعلياً.
بالتالي هناك حاجة إلى حشد هذه المصادر وإمكانية توزيع التمويل بين المصارف السعودية والمؤسسات المالية والمستثمرين من القطاع الخاص وصناديق الاستثمار، ومع التغييرات الكبيرة ودخول مشغلين ومطورين من الأطراف الثالثة، يمكن مشاركة أعباء الديون والتمويل أيضاً، حسبما أشار كيرت ديفيس.
من هي شركة ألفاريز آند مارسال
تُعرف شركة ألفاريز آند مارسال نفسها بأنها واحدةٌ من الشركات العالمية المتخصصة في الخدمات الاستشارية المهنية، ويعود تأسيسها إلى عام 1983 في نيويورك على يد توني ألفاريز وبرايان مارسال، وتتعاون مع الشركات والمستثمرين والجهات الحكومية في عدة مجالات مثل الاستشارات المالية وتحسين أداء الأعمال، بالإضافة إلى إعادة الهيكلة وإدارة التحول والمخاطر.
وبحسب موقع الشركة حالياً، لديها أكثر من 13500 موظف، وتعمل في أكثر من 40 دولةً عبر 6 قارات، ولديها أيضاً 100 مكتب، ولها حضور مميز في السعودية، حيث افتتحت مقرها الإقليمي في الرياض عام 2024، وتقدم خدمات استشارية للشركات والجهات الحكومية في المملكة.
طلب متنامٍ يعكس الحاجة للتمويل
ما جاء في تقرير الشركة يتوافق مع التوسع الملحوظ الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مجال الحوسبة ومراكز البيانات، ويراه خبراء محليون تفسيراً عملياً لارتفاع الاحتياجات التمويلية مستقبلاً، فقد ارتفعت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات في السعودية من 68 ميغاواط عام 2021 إلى أكثر من 440 ميغاواط في 2025، أي نحو 6 أضعاف خلال أربع سنوات فقط، وذلك بمعدل نمو سنوي يصل إلى 52%.
واليوم، تضم المملكة ما يزيد عن 60 مركز بيانات، طوّرتها أكثر من 20 شركةً، وتخطى حجم الاستثمارات فيها حاجز 16 مليار ريال سعودي، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس).
يبدو أن طفرة المملكة في مجال مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، تتطلب رؤوس أموال ضخمة لتمويل سباقها الذكي، فنجاح هذه الطموحات يرتبط بقدرة المملكة على حشد مصادر التمويل وتوزيع المخاطر وتوفير رأس المال اللازم في الوقت المناسب.
اقرأ أيضاً: مراكز بيانات Tier III: السيادة الرقمية السعودية كرافعة للاستثمار

