قبل ثمانية أعوام كان ممكناً جمع شركات التقنية المالية السعودية في غرفة واحدة. عشر شركات تقريباً، وسوق يعرف المصرف والبطاقة أكثر مما يعرف التمويل المدمج والمصرفية المفتوحة. اليوم يصعب أن تتسع لها قاعة. تجاوز العدد ثلاثمئة بنهاية 2025، والهدف 525 شركة قبل 2030.
ولكي نفهم سرعة التحول، تكفي قصة «تابي». تأسست عام 2019، ثم نقلت مقرها إلى الرياض، وحصلت على تراخيص توسع بها خدماتها، ووصل تقييمها في سبتمبر الحالي إلى 6.5 مليارات دولار بعد جولة جديدة. ليست الشركة هي القطاع كله، كما أن أرقام مستخدميها تشمل السعودية والإمارات. لكنها تكشف أن السوق الذي كان يبحث عن شركات صار قادراً على إنتاج شركة إقليمية ثقيلة.
من عشرة إلى ثلاثمئة
أطلقت مؤسسة النقد آنذاك وهيئة السوق المالية مبادرة «فنتك السعودية» في 2018، وفي نهاية 2024 كان في المملكة 261 شركة نشطة بزيادة 21 في المئة خلال عام، ثم جاء تقرير «رولاند برغر» ليضع العدد فوق ثلاثمئة بنهاية 2025. قطعت الرياض إذاً أكثر من نصف الطريق العددي نحو 525 خلال سنوات قليلة.
لكن الأهداف المرافقة أكبر من لوحة عد، فالاستراتيجية تريد 18 ألف وظيفة مباشرة، ومساهمة تبلغ 13.3 مليار ريال في الناتج، واستثمارات تراكمية تتجاوز 12 مليار ريال. وبحلول 2024 كان القطاع قد وفر 11046 وظيفة وجذب نحو 7.9 مليارات ريال وفق بيانات التقرير السنوي.
هذه قفزة يصعب إنكارها، ولا حاجة إلى تحميلها مديحاً إضافياً كي تبدو كبيرة. لكن هل تستطيع السرعة التي أنشأت الشركات أن تمنحها عمراً طويلاً أيضاً؟
من بنى السوق
لم ينبت هذا العدد من رأس المال وحده. البنك المركزي وهيئة السوق وهيئة التأمين فتحوا مسارات ترخيص ومختبرات تجريبية، ثم جاءت المصرفية المفتوحة كي تسمح، بموافقة العميل، بتبادل البيانات وبدء المدفوعات عبر مزودين جدد؛ أي إن الدولة لم تكتف بمراقبة السوق، بل صنعت ملعبه وحددت أبوابه أيضاً.
ومن الجهة الأخرى، منح انتشار الهواتف والمدفوعات الإلكترونية الشركات زبوناً جاهزاً. حين تصبح أغلبية عمليات نقاط البيع بلا تلامس، لا يعود التطبيق المالي فكرة غريبة على المستخدم، وتتغير العادة أولاً ثم تتسع فوقها الخدمات.. هكذا وُلد جانب مهم من السوق.
من الرخصة إلى حياة الشركة
قد يقال إن الوصول إلى 525 بات مسألة وقت، وحسابياً يبدو ذلك معقولاً، لكن الشركة المرخصة ليست بالضرورة شركة قادرة على البقاء، والزيادة السريعة قد تخفي عشرات النماذج المتشابهة التي تتنافس على الخدمة والعميل نفسيهما.
لذلك يبدأ الامتحان التالي عند الربحية، وحجم الاستخدام المتكرر، والقدرة على جذب تمويل بعد مرحلة البذرة ثم التوسع خارج المملكة. لا يظننّ أحد أن اندماج شركات أو خروج بعضها يعني فشل الاستراتيجية بالضرورة؛ قد يكون أول دليل على أن القطاع خرج من الحاضنة ودخل الاقتصاد الحقيقي.
ولنقل الأمر من لغة الشركات إلى جيب المستخدم. يستطيع متجر صغير الحصول على دفع أسرع أو تمويل مبني على مبيعاته، ويستطيع فرد ادخار مبلغ صغير أو تحويله بكلفة أقل، كما تستطيع شركة ضبط مصروفاتها لحظة بلحظة. هذه هي القيمة حين تعمل التقنية. أما إذا تركز النمو في تقسيط الاستهلاك ودفع الناس إلى ديون أسهل، فقد يكبر القطاع فيما يضيق جيب مستخدمه.
ثم تأتي الكلفة التي لا تظهر في رقم 525، من الاحتيال الإلكتروني إلى سوء استخدام البيانات وتحيز خوارزميات الائتمان. هنا يحتاج المنظم إلى حماية العميل بالصرامة نفسها التي يفتح بها باب الابتكار، وإلى قواعد معلومة للمسؤولية حين يقرر برنامج رفض قرض أو تجميد حساب.
قطاع لم يكن له اسم
بطبيعة الحال، لم تكن التقنية غائبة تماماً عن المصارف قبل عقد، فقد كانت هناك بطاقات وصرافات وخدمات إلكترونية. الذي لم يكن موجوداً بهذه الصورة هو قطاع مستقل له شركاته ورأس ماله ومسارات ترخيصه ووظائفه، ويتعامل مع المصرف شريكاً أو منافساً عوضاً عن البقاء مجرد مورد برمجيات له.
وتظهر بنية الوظائف جانباً من أثر التحول، إذ شكل السعوديون 71 في المئة من العاملين في بيانات 2024 والنساء 39 في المئة. هذه أرقام ذات معنى إذا بقيت الوظائف في البرمجة والمخاطر والامتثال وصنع المنتج، لا إذا كبرت عبر مبيعات تحمل اسماً تقنياً فحسب.
في الختام، رقم 525 قابل للتحقق، وربما قبل موعده، غير أن الفوز الحقيقي ليس أن تملأ الرياض السجل بالشركات، بل أن تبني طبقة مالية تصدر منتجاتها، وتمول المنشآت الصغيرة، وتحمي بيانات العميل، وتبقى واقفة بعد انحسار رأس المال السهل.
قبل سنوات كانت الشركات كلها تتسع لغرفة. في 2030 قد لا يستطيع أحد عدها من الذاكرة. عندها لن نسأل كم شركة وُلدت فقط، بل كم مشكلة مالية ماتت بسببها.
اقرأ أيضاً: رؤية 2030 تضبط سرعتها.. الحرب تعيد ترتيب الإنفاق السعودي

