لا يمكن الحديث عن المملكة العربية السعودية دون ملاحظة التحولات الهامة على صعيد سوق العمل. إذ يشهد هذا السوق تطور كبير بعد إقرار القانون الجديد الذي أحدث ثورة حقيقية في حياة السعوديين، وعمل على توفير فرص عمل كثيرة لهم. والدليل الملموس على ذلك حجم الوظائف الوطنية التي أعلنت عنها منصة جداريات في قطاعات مختلفة خلال الأونة الأخيرة.
فقد ركزت منصة “جدارات” على توفير فرص مهنية تتوافق مع احتياجات المدن الكبرى مثل الرياض، وجدة، والدمام، والخبر، حيث شهد القطاع الحكومي إعلان وظائف متخصصة ومحدودة، من أبرزها فني تروية قلب واستشاري جراحة قلب للأطفال في الرياض ضمن الإدارة العامة للخدمات الطبية للقوات المسلحة، وأخصائي مهندس بيانات في وزارة النقل والخدمات اللوجستية بالرياض، بالإضافة إلى فني أطراف صناعية وجبائر في الظهران.
وفي القطاع شبه الحكومي، قدمت المنصة 46 وظيفة قيادية ومتخصصة، شملت فرصاً في هيئة الطيران المدني بالرياض، ومحاضرين وأخصائيين في جامعة الملك سعود للعلوم الصحية، وأخصائيي حوكمة مشاريع ومسؤولين في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى مدير الكفاءة والترشيد في المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه، حيث تركز هذه الفرص على تطوير مهارات إدارية وفنية متقدمة تلبي متطلبات القطاعات الحديثة.
أما القطاع الخاص، فقد شهد أكبر عدد من الفرص هذا الأسبوع، حيث أطلقت “جدارات” 6,592 وظيفة متنوعة من أصل 6644 وظيفة تغطي مجالات التقنية والبرمجة، والهندسة والطاقة، والتسويق والمبيعات، والصحة والتمريض، مع التركيز على المدن الكبرى والشرقية للقطاعات الصناعية والصحية، مما يوفر للباحثين عن عمل إمكانية التخطيط المهني بشكل دقيق بحسب احتياجات السوق. والجدير بالذكر أن كل هذه الوظائف بمختلف القطاعات مخصصة للسعوديين فقط.
التدريب المهني وتعزيز جاهزية الكوادر
لم يكتفِ قانون العمل السعودي على توفير الوظائف فقط، بل اتجه نحو خطوة أخرى مكملة لخطة دعم التوظيف، وهي إلزام منشآت القطاع الخاص التي تضم أكثر من 50 عاملاً بتوفير برامج تدريب على رأس العمل للخريجين والباحثين عن عمل، بحيث لا تقل مدة التدريب عن شهرين ولا تتجاوز ستة أشهر. وبحسب وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، يجب توثيق التدريب بين المتدرب والمنشأة عبر منصة قوى، بما يوضح مراحل التدريب ونوع المهارات المكتسبة.
كما حدد القرار نسباً محددة للتدريب، مع سقف ثابت للمنشآت الكبرى التي يبلغ عدد العاملين فيها 5,000 عامل فأكثر، بحيث يكون الحد الأدنى للمتدربين 100 سنوياً. وتهدف هذه المبادرات إلى رفع جاهزية القوى الوطنية، وتطوير المهارات بما يسهم في توطين الوظائف وتعزيز كفاءة سوق العمل.
قانون العمل الجديد: بيئة عمل أكثر عدلاً ومرونة بفضل رؤية 2030
يأتي قانون العمل السعودي الجديد كخطوة جوهرية لتنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال، مع التركيز على تحسين بيئة العمل، وحماية الحقوق، وزيادة الإنتاجية. حيث يوفر القانون حرية أكبر للموظفين في اختيار وظائفهم ويسهل على الشركات استقطاب الكفاءات الوطنية والأجنبية، مع تشجيع استخدام التكنولوجيا لتيسير عمليات التوظيف والحد من البيروقراطية. كما يولي القانون اهتماماً بالسلامة والصحة المهنية، ويضع معايير واضحة للتعويضات والمكافآت بما يعكس الجهود الحكومية لتحسين ظروف العمل وتحفيز الأداء.
إلى جانب ذلك، يعزز القانون من التواصل والشفافية بين العمال والإدارات، ويشجع على تطوير بيئات عمل ملائمة تشمل مرافق ومستلزمات تعزز الإنتاجية والرضا الوظيفي. كما يدعم التدريب المهني المستمر، مما يسهم في رفع كفاءة القوى العاملة وتوطين المهارات بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الوطني.
لا يمكن النظر إلى قانون العمل على أنه مستقل عن رؤية المملكة 2030، إذ تشكل هذه الرؤية صلب القانون وأرضيته الثابتة التي انطلق منها. إذ شكلت الإطار الاستراتيجي الذي توجه من خلاله هذه الإصلاحات، حيث تهدف إلى خلق سوق عمل مرن ومتوازن يمكنه استيعاب الكفاءات الوطنية وزيادة الإنتاجية. ومن خلال دمج مبادرات التوظيف على منصات مثل “جدارات” مع تطوير التشريعات العمالية الحديثة، تسعى المملكة إلى توفير فرص عادلة ومتنوعة، تعزز النمو الاقتصادي وتشجع على الابتكار. كما أن هذه الرؤية تضع السعودية على طريق الاستدامة في سوق العمل، مع ضمان حقوق جميع الأطراف، وتقديم بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء.
باختصار، تعد عدد الوظائف التي أطلقتها منصة “جداريات” التطبيق العملي لقانون العمل السعودي الجديد. مما يسهم في رفع كفاءة السعوديين في سوق العمل، ويجعل المملكة نموذجاً متقدماً في إدارة هذا السوق وتحقيق استدامته.
اقرأ أيضاً: المؤتمر الدولي لسوق العمل 2026

