في عالمٍ يتزايد فيه التوجه نحو التحول الرقمي، لا سيما رقمنة الخدمات وترابط المؤسسات والأنظمة، تتصاعد أهمية الاستثمار بالأمن السيبراني، الذي يتعدى كونه أمناً اقتصادياً مالياً، فهو يمثل أمن المجتمع بالكامل، أي بمختلف مؤسساته وفئاته.
وفي السعودية، حيث وصلت نسبة انتشار الإنترنت إلى 99.6%، يبدو أن الحاجة إلى حماية المجتمع أصبحت أكثر إلحاحاً، لا سيما بالنسبة للطلاب الذين أصبحوا جزءاً من الفضاء الرقمي، فالرقمنة تدخل في تفاصيل العملية التعليمية بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من التسجيل الإلكتروني للطلاب المستجدين عبر نظام نور.
ولا شكّ أن الجهود الحكومية المتواصلة لتسهيل الإجراءات على المواطنين وتحسين جودة حياتهم، تتزامن مع مبادرات توعوية تهدف إلى تعزيز الاستخدام الآمن للتقنيات وتوطيد أطر الأمن والحماية الرقمية، والتي كان أحدثها إطلاق الهيئة الوطنية للأمن السيبراني بالتعاون مع وزارة التعليم السعودية النسخة الثانية من حملة «نعود للمدرسة من باب آمن».
نعود للمدرسة من باب آمن .. حملة برسالة كبيرة
تزامناً مع عودة المدارس، أُطلِقت النسخة الثانية من حملة “نعود للمدرسة من باب آمن”، لتكون بوصلةً للطلاب وأولياء الأمور نحو استخدام أكثر وعياً وأماناً للأجهزة والمنصات الرقمية، مع الإلمام الجيد بالممارسات السيبرانية السليمة، وكيفية الاستخدام السليم للأجهزة والمنصات الرقمية، وذلك للحد من التهديدات الإلكترونية المتجددة، التي تأخذ أشكالاً وأساليب أكثر تطوراً.
وبما أن المدارس تُعد الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، فاستهدافها بحملات التوعية يُعتبر من أكثر الأساليب التربوية نجاعةً، إلى جانب التوعية الإعلامية وتسليط الضوء على تجارب المجتمع في الفضاء الرقمي.
إلى جانب توعية الأفراد، تعود هذه الجهود بشكل إيجابي على تعزيز الأمن الرقمي، والحد من مخاطر اختراق البيانات الحساسة، وتحصين الاقتصاد الوطني مع تنامي الاعتماد على التقنيات الرقمية.
أهداف الحملة
حملة “نعود للمدرسة من باب آمن” تُعدّ تعزيزاً لأمن المجتمع السعودي بالدرجة الأولى، وبما أن التحقق والحذر هما الأساس الذي يجب أن يتعامل فيه الأفراد مع أي تطبيق أو رسالة إلكترونية، لا سيما مع تنوع أساليب الاحتيال والخداع التقني، فإن مثل هذه الحملات تعمل على ترسيخ الوعي المجتمعي بالمخاطر السيبرانية وسبل التعامل معها.
وتستهدف هذه الحملة زيادة الوعي بالسلوكيات والممارسات السيبرانية، وذلك من خلال تعزيز الاستخدام الآمن للمنصات التعليمية والتقنيات والأجهزة الرقمية، والتعريف بأساليب الحماية من المخاطر الإلكترونية، عبر عدة محاور توعوية، أبرزها:
- الإلمام بأساليب التصيد والاحتيال الإلكتروني
- التحقق من الرسائل والروابط
- التعريف بوسائل وأساليب الحماية الموثوقة
- التأكيد على أهمية تشديد إجراءات التحقق وكلمات المرور
هذه المحاور تشكل خطوةً مهمةً نحو بناء سلوك رقمي أكثر وعياً، فهي تقدم للطلاب وأولياء الأمور ممارسات يمكنهم تطبيقها عند استخدام الأجهزة والمنصات الرقمية.
فعلى الرغم من ازدياد الوعي بالتعامل مع الممارسات السيبرانية في وقتنا الحالي، إلا أنه لا يكفي وحده دون دراية كافيةٍ بالتعامل مع هذه الممارسات الإلكترونية، فلا بدّ أن يُدعّم بمبادرات تجمع بين التعليم النظري والتدريب العملي للحدّ من الاحتيال الإلكتروني، وهذا ما طورته عدة دراسات سعودية وعالمية.
هل تكفي معرفة المفاهيم والأطر النظرية؟
طبعاً، التعليم يجب ألا يقف عند حدود الأطر النظرية، فهو يحتاج إلى تدريب وتطبيق عملي، يساعد على ترجمة المعرفة المكتسبة إلى سلوك قابل للتطبيق في مواجهة الهجمات السيبرانية، وهذا ما تؤكده عدة دراسات دولية.
فعلى سبيل المثال: الطالب الذي يتعلم مفهوم التصيد الإلكتروني ضمن محاكاة أو موقف عملي، فإنه يتسلح بتدريب عملي يمكّنه من اكتساب مهارة تطبيقية، لتمييز الرسائل الاحتيالية أو الروابط المشبوهة.
ومن المؤشرات الإيجابية على اتباع المملكة المسار الصحيح، ما بحثته دراسة سعودية حديثة بعنوان: “تصميم وتطوير Anti-Phishing AG: لعبة جادة ثلاثية الأبعاد قائمة على الويب لتحسين الوعي بالتصيد الإلكتروني لدى الطلاب في السعودية”.
فقد طورت هذه الدراسة لعبةً تعليميةً تفاعليةً لمكافحة التصيد الإلكتروني، واختبرتها على 702 طالب وطالبة من المرحلتين المتوسطة والثانوية، وذلك بهدف تدريبهم على التعرف إلى محاولات التصيد والاستجابة لها، من خلال سيناريوهات تفاعلية وتغذية راجعة فورية.
ضرورة الجمع بين التعليم والتدريب العملي
كما أن هناك أبحاث ودراسات عديدة تدعم الجمع بين التعليم والتوعية والتدريب، منها دراسة بعنوان: “مبادرات التعليم والتوعية والتدريب في مجال الأمن السيبراني: نتائج قائمة على الأدلة على المستوى الوطني، والتحديات والآفاق” منشورة بعام 2022، حيث تتناول مبادرات التعليم والتوعية والتدريب في مجال الأمن السيبراني على المستوى الوطني في 80 دولة، وتبحث في التحديات التي تواجه برامج التوعية والتعليم السيبراني.
وقد خلصت الدراسة إلى أن النقص النسبي في التعليم والوعي والتدريب، يُسهم في تفاقم المشاكل والمخاطر السيبرانية، مشيرةً إلى وجود أثر إيجابي ودال إحصائي على أهمية الاستثمار في التعليم والتوعية والتدريب في مجال الأمن السيبراني، ومعالجة التهديدات، للحدّ من هذه الأضرار ذات الأثر البالغ على المستوى الوطني.
إذاً، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية تعي جيداً أهمية تدعيم المجتمع رقمياً بشكل سليم، يحدّ من التهديدات الإلكترونية التي تعرض البيانات الحساسة للخطر، وفي هذا السياق تُعد حملة “نعود للمدرسة من باب آمن” حلقةً من سلسلة متكاملة من المبادرات والإجراءات والتشريعات التي تنفذها الجهات المعنية، لمواجهة المتغيرات الرقمية المتسارعة.
اقرأ أيضاً: الأمن السيبراني أولاً للعام الثالث: هل تصنع السعودية سيادة رقمية موازية لقوتها الاقتصادية؟

