كتب: محسن حسن
تشكل أدوات ووسائل وخطط الإصلاح الشامل في أي مجتمع من المجتمعات، الواجهة الخلفية الداعمة لعملية الانتقال والتطوير القطاعي لأي مجال من المجالات الرئيسة التي يزخر بها النشاط الإنساني ضمن سياق الحياة المعيشية والاقتصادية، وهو ما ينطبق ضرورة ومنطقاً على جملة المحاور والركائز المكونة لقطاع التقنية الحيوية، ذلك القطاع الذي ينبني على المزج الخلاق بين التكنولوجيا الحديثة والمتطورة من جهة، ومعطيات علوم الأحياء من جهة ثانية، من أجل الإفادة التطبيقية والعملية بهما، في استنهاض القطاعات الوطنية الراكدة، وبعثها مجدداً لتؤدي دورها في خدمة المجتمع، وفق مستويات فائقة من النجاح المغاير وغير المسبوق.
وفي المملكة العربية السعودية، أدرك المخطط الاقتصادي مبكراً، ومنذ إطلاق استراتيجية 2030م الإصلاحية، أن مجال التقنية الحيوية، يحمل بين طياته بيئة ثرية لتحقيق أهداف الرؤية على أكثر من صعيد؛ إذ يعد تطوير هذا القطاع بحد ذاته مكسباً كبيراً للاقتصاد الوطني السعودي الباحث عن فتح آفاق التبادل التجاري والعلمي والتقني مع الدول و المجتمعات المتقدمة، ومن جهة أخرى يستحوذ هذا المجال على نطاقات استثمارية واقتصادية نوعية، يمكنها الإسهام بفاعلية في تعزيز الأوضاع الصحية والبيئية والغذائية زراعياً وصناعياً وخدمياً في عموم القطاعات الوطنية السعودية؛ حيث يرتبط المجال المشار إليه على سبيل المثال ارتباطاً مباشراً بمستقبل التصنيع الدوائي وامتلاك اللقاحات اللازمة لتحسين جودة الحياة البشرية والبيئية، كما يرتبط كذلك بتطوير السلالات النباتية ضمن السلاسل الغذائية الضرورية والملحة بين السعوديين، ما يعني أهمية مجال التقنية الحيوية في تحقيق الأمن الغذائي وتحفيز الإنتاج الزراعي ودعم منتجه المحلي والوطني، وبالتالي تحجيم الإنفاق المبالغ فيه على الواردات، مقابل تعزيز الصادرات.
استراتيجية طموحة
ومنذ بدأت وتيرة الإصلاح الاقتصادي والتجاري والاستثماري والمجتمعي بين السعوديين، انطلاقاً من رؤية 2030م، وحتى اللحظة، تتعاظم قناعات القيادة السعودية بأهمية قطاع التقنية الحيوية، وبكونه يمثل ركيزة محورية ومستدامة في أسس التخطيط والتحول الوطني ضمن سياقات عدة سبقت الإشارة إليها، ومن ثم فقد زادت طموحات المملكة في الاستفادة من هذه الركيزة المحورية، أولاً من خلال وضع وإقرار بنود (الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية)، وثانياً من خلال ربط هذه البنود بمجمل أهداف رؤية 2030م، وخاصة ما يتعلق منها بالأهداف الريادية على الصعيدين الإقليمي والدولي، والتي تحرص من خلالها المملكة على توطين مكانها ومكانتها في مؤشرات وقوائم التقييم والتخصص العالمية، وتحقيق أعلى قدر من الهيمنة والاستحواذ على تلك المؤشرات والقوائم، وبناء على هذه التوجهات والقناعات، تتجه المملكة بخطوات ثابتة نحو توطين مجال التقنية الحيوية محلياً، ليس من أجل الاقتصار على التطوير المحلي فقط، وإنما من أجل أن تتحول البلاد إلى مركز إقليمي رائد في هذا المجال بحلول عام 2030م، ولاحقاً إلى مركز دولي ووجهة عالمية رائدة في المجال ذاته بحلول عام 2040م، وهذا العام الأخير، ستسعى المملكة في إطاره إلى رفع إسهام هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3% وبواقع 130 مليار ريال سعودي، ليس هذا فحسب، وإنما استهداف القطاع ذاته أيضاً، ليساهم في توفير أكثر من 11.000 وظيفة غير اعتيادية عام 2030م، وحوالي 55.000 وظيفة إجمالية عام 2040م.
تحريك الركود
ويدل الربط القائم بين هدف تطوير مجال التقنية الحيوية في المملكة من جهة، وأهداف رؤية 2030م من جهة أخرى، على رغبة صارمة للقيادة السعودية في محاربة الركود القطاعي وتدوير عجلة الإنتاج وتحقيق معدلات فائقة من التنمية البشرية والبنية التحتية على كافة المستويات والصعد، وهي الرغبة التي تبدو واضحة في أوجه التلاقي بين أهداف التقنية الحيوية وأهداف الرؤية، تلك الأوجه التي تبرهن على الإسهام النفعي المتبادل بين كافة البنود والأركان والجزئيات؛ حيث تعمل استراتيجية التقنية الحيوية على بلوغ أكثر من عشرة أهداف منشودة لرؤية 2030م الممتدة والفاعلة حالياً، ومن هذه الأهداف تيسير وتحسين الخدمات الصحية لجميع السعوديين، ورفع معدلات الوقاية من المخاطر والأمراض، وتحصين البيئة السعودية ضد المخاطر، ورفع معدلات الإسهام المحلي في قطاعات ما دون النفط، وتوطين الصناعات النوعية الواعدة، ورفع كفاءة الفاعلية المالية والإنفاق الحكومي، وتعزيز المواهب الوطنية مع جذب الخبرات الدولية، وتعزيز إشراك المنشآت الصغيرة والمتوسطة في بنية الاقتصاد الوطني، واستدامة الموارد المائية، وتحقيق التنمية والأمن الغذائي، وكل هذه الأهداف المتعاضدة، تشكل الأهمية المحورية التي أشرنا إليها لمجال التقنية الحيوية، ولقدرة هذا المجال على تسريع وتيرة بلوغ الأهداف المنشودة من قبل استراتيجيات الإصلاح السعودية في كافة المجالات البشرية والخدمية وغيرها.
آفاق داعمة
ومما يشكل ملمحاً إيجابياً من حيث طبيعة النظرة السعودية الوظيفية لمجال التقنية الحيوية، اتساع الوعي التخطيطي بأهمية تعاضد كافة الجوانب والأركان المكونة لهذا المجال الحيوي وفق رؤية شاملة تجمع بين تحقيق الاستفادة القصوى منه في إصلاح وتطوير المجتمع المحلي والبيئة وعموم القطاعات الوطنية الاقتصادية من جهة، والوصول إلى الريادة البحثية والتقنية والعلمية الدقيقة لتطبيقاته من جهة ثانية؛ فإلى جانب أهداف الوصول إلى مستويات الاكتفاء الذاتي من الأمصال واللقاحات المختلفة، تتجسد أهداف جانبية أخرى قوامها العمل على نقل الخبرات والتقنيات البحثية والتحديث النوعي لتلك الأمصال واللقاحات، وبالإضافة إلى دعم أسواق الدواء المحلية بما يكفيها ويزيد على هذه الكفاية من المكونات والأدوية الحيوية، عبر توفير أكثر من 60% من الأدوية الحيوية عالية الجودة وبأسعار في متناول الجميع، تبرز أهداف استثمارية واقتصادية أخرى قوامها الرغبة في تمكين الاقتصاد الدوائي الوطني من التصنيع المحلي والتصدير الإقليمي والدولي، إلى جانب الأهداف الصحية العامة، والتي يأتي على رأسها زيادة الأعمار الصحية للسعوديين بمعدل خمس سنوات بحلول العام 2040م، وتصفير معدل الانبعاثات الكربونية، والوصول بالاقتصاد المحلي والوطني، وخاصة القطاعات غير النفطية، إلى معدلات مستقرة من الازدهار والتوازن.
ومن جهة مقاربة، لا ترتبط أهداف التحسين الحيوي في القطاع الزراعي السعودي بمجرد التأمين الآني للأغذية، وإنما بتوطين الاستدامة النوعية لمختلف السلالات الغذائية في القطاع الزراعي، جنباً إلى جنب، مع تحقيق الهدف البيئي والمناخي وفق ما تنشده متطلبات وأهداف الاستدامة البيئية والمناخية ضمن السياق العالمي القائم على مواجهة التحديات ومكافحة الأخطار، وهنا تجب الإشارة إلى أن تطبيقات التقنية الحيوية في المملكة ستساهم في تعزيز نجاح المبادرة الخاصة بــــــ (السعودية الخضراء) عبر تحسين جودة ونوعية الأشجار المقاومة للمناخ الجاف السعودي، ثم تأتي الاستفادة الطبية الأعلى قدراً بين السعوديين، والمتمثلة في توظيف مجال التقنية الحيوية توظيفاً فعالاً في علم الجينوم والطب الوقائي، ما يمكن في ظله تحقيق أعلى معدلات الدقة في التشخيص الطبي والدوائي، ومن ثم الوصول إلى علاجات فعالة وغير باهظة التكاليف، لأهم وأخطر الأمراض المحلية التي تواجه الإنسان وغيره من الكائنات البيئية الأخرى، خاصة مع ما يستلزمه هذا السياق من تطوير وتحديث قواعد بيانات الجينوم السعودية، وفي الجوار من كل ذلك، سيكون هدف تعزيز الإبداع التقني والابتكار العلمي و العملي والتطبيقي حاضراً في الخلفية من أجل بلوغ مستويات نوعية من النجاح في تحقيق الأهداف والاستراتيجيات.
اقرأ أيضاً: ملاك الثقفي طبيبة سعودية أسهمت في تطوير فهم الأمراض الوراثية وتطبيقات الطب الجينومي
قيمة مضافة
ووفق شمولية ما يحققه مجال التقنية الحيوية في المملكة من نتائج إيجابية حالية ومستقبلية، نستطيع الجزم بأن العمل على استدامة وتطوير هذا القطاع، يمثل قيمة عامة مضافة إلى كافة أنماط النشاط البشري والإنساني وغيره على أرض المملكة، وبالشكل الذي يمكنه تقديم خدمات جليلة وعملية للجميع: مؤسساتٍ وأفرادٍ؛ فعلى مستوى الشرائح السكانية المختلفة للسعوديين والسعوديات، يقدم تطوير منظومة التقنية الحيوية في البلاد لتلك الشرائح رعاية صحية فائقة الجودة، ومنتجات غذائية مستدامة ونوعية تلبي كافة الاحتياجات وتؤمن الموارد الغذائية دون نقصان أو ندرة، وعلى مستوى الاستثمار المالي المحلي والأجنبي، يشكل هذا القطاع الحيوي فرصاً واعدة تتشابك وتتداخل مع عموم الأنشطة الكبيرة والصغيرة ومتناهية الصغر، وفي قطاعات متنوعة خدمية وصناعية وزراعية ونفطية وغير نفطية، ما يعني أننا بصدد بيئة استثمارية مهيأة لتحقيق أعلى معدلات الإسهام الاقتصادي الوطني، بينما على مستوى المؤسسات الرسمية للدولة، يمثل تطوير مجال التقنية الحيوية فرصاً تشغيلية وإدارية يمكن من خلالها للمنظومة الحكومية السعودية تطوير وتحديث نفسها والإسهام في تطوير وتحديث غيرها عبر هذا المجال المهم والجديد والباحث عن الجهود المخلصة للإفادة منه ومن محاوره الثرية والنافعة، في حين يظل المجال ذاته واحداً من بين أهم أطر التعاون الدولي للمملكة مع كافة الشركاء الإقليميين والدوليين، وبالتالي فإن جهود تطويره سيفتح أفق الشراكة الفاعلة مع العديد من الأطراف والدول والمجتمعات والشرائح العلمية النوعية والتقنية، وهو ما تسعى إليه الأهداف الأصيلة لاستراتيجية 2030م الفاعلة.
تفاعل مطلوب
وباستحضار مؤشرات الاقتصاد السعودي النفطي وغير النفطي إلى جانب مؤشرات الاقتصاد القطاعي زراعياً وتجارياً وصناعياً وخدمياً، يتضح لنا عمق الجدوى الإيجابية المنتظرة من تفاعل قطاع التقنية الحيوية مع تلك المؤشرات والقطاعات، كما يتبين أن مثل هذا التفاعل هو مطلوب ومهم خلال المرحلة القادمة من عمر استراتيجيات الإصلاح الاقتصادي في المملكة انطلاقاً من رؤية 2030م ومروراً إلى استراتيجية 2040م القادمة؛ فعلى سبيل المثال، نجد أن فرص الإسهام المباشر وغير المباشر لقطاع التقنية الحيوية في التفاعل الإيجابي مع المكانة الاقتصادية للسعودية باعتبارها الأكبر اقتصاداً في الشرق الأوسط والأغنى ثراءً في المنطقة العربية، هي فرص قوية سيكون لها دورها الكبير في دعم سياسة الأشغال العامة السعودية، ودعم الاستثمار الأجنبي المباشر ، خاصة في ظل وصول النظم المصرفية والمالية السعودية إلى معدلات وازنة من السلامة والاستقرار ، الأمر الذي يمنح القطاعات النوعية كقطاع التقنية الحيوية، أريحية كبيرة في إنجاح تطبيقاته المختلفة ضمن بنية القطاعات الاقتصادية الوطنية، وخاصة القطاعات غير النفطية، والتي زاد نموها خلال 2024م بنسبة 4.3% مقابل انخفاض القطاعات غير النفطية بنسبة 4.5% وفقاً لمؤشرات صندوق النقد الدولي. ووفق نظرة مدققة، سنجد أنه بإمكان التقنية الحيوية أن تساهم في الحد من نسبة البطالة بين السعوديين، والتي كانت قد بلغت في النصف الثاني من 2024 7.8% ليستقر معدلها الإجمالي عند النسبة 3.7% وفق أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء بالمملكة.
اقرأ أيضاً: الصندوق السيادي السعودي يعتزم تقليص ميزانية بعض المشاريع
ضرورة قصوى
ويتضح من تحليل القطاعين الزراعي والصناعي، أن حاجة البلاد إلى التمسك ببنود استراتيجية التقنية الحيوية، ليست من قبيل الرفاهية، وإنما هي من قبيل الضرورات القصوى؛ إذ تمثل الزراعة نسبة 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي للسعودية، وهي توظف 3% من السكان النشطين وفق أحدث التقديرات المتاحة للبنك الدولي، وبإمكان قطاع التقنية الحيوية الإسهام بفاعلية في رفع تلك المؤشرات إلى مستويات أكثر إيجابية، خاصة في ظل معاناة المملكة من الجفاف وندرة المياه بالتزامن مع ارتفاع معدلات استيرادها لمعظم المنتجات الزراعية والغذائية، إلى جانب عدم التوازن بين حجم الاستثمارات التي يتم ضخها في القطاع الزراعي وحجم الإنتاج الزراعي المحدود حتى الآن، والذي لم يساهم في الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 سوى بـــ 31 مليار دولار أمريكي، وفق بيانات وزارة الزراعة السعودية.
ورغم أن القطاع الصناعي السعودي يمثل نسبة 47% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ويستحوذ على 16% من القوى العاملة السعودية، وهي معدلات أكثر إيجابية إذا ما قيست بإسهامات القطاع الزراعي المشار إليه، إلا أن تحديث التقنية الحيوية، يمثل أيضاً ضرورة قصوى بالنسبة لتطوير القطاع الصناعي، خاصة وأن التصنيع غير النفطي في المملكة حالياً لا يمثل سوى 15% من الناتج المحلي، حيث تهيمن الأنشطة غير الصناعية كالتنقيب عن النفط على مجمل تفاعلات القطاع الصناعي السعودي، ووفقاً للهيئة العامة للإحصاء، فإن مؤشر الإنتاج الصناعي في نهايات 2024م، صعد بنسبة 2.1% على أساس سنوي، مدفوعاً ببعض النمو في التصنيع وببعض خدمات إدارة النفايات، وهذه الأخيرة، بإمكان استراتيجية التقنية الحيوية أن تساهم في تطويرها وتحديثها لإضافة المزيد من تحفيز نمو الإنتاج الصناعي.
وإجمالاً، نستطيع القول بأن التشبث بمعطيات التحديث والتطوير في مجال التقنية الحيوية بالمملكة، كله إيجابيات، ويخلو من السلبيات، وذلك أنه قطاع محوري، يتحلى بديناميكية واعدة في دفع الركود واستنهاض القطاعات الساكنة والكسولة أو المتخلفة عن ركب الإسهام الاقتصادي الفاعل في الموارد الوطنية، ولذا من الجيد حقيقة، استلهام معطيات وقدرات ومحفزات هذا القطاع في الدفع بوتيرة تحقيق الأهداف الشاملة للرؤى والاستراتيجيات الإصلاحية السعودية، خاصة ونحن على مشارف توجهات إقليمية ودولية حثيثة، نحو إقرار صياغات تقنية وعلمية جديدة لتنمية كافة الموارد المتاحة والكامنة، وللنهوض بكافة الطاقات البشرية والإنسانية الكفيلة بالتحول والتغير الإيجابي، وبما أن مجال التقنية الحيوية هو أحد المجالات القادرة على النبش في المتاحات والمتغيرات من أجل التحسين والتجويد، فإنه يعد بمثاب طوق النجاة لقطاعات اقتصادية وخدمية وإنسانية وبيئية عديدة في المملكة، ومن ثم، يجب استغلاله وتوظيفه وفق أعلى معدلات الحرفية والمهنية، سعياً نحو تحقيق نقلة نوعية في التنمية الشاملة، بشرية كانت أو غير ذلك.
اقرأ أيضاً: السعودية تستعد لإطلاق رؤية 2040 و هدفها الذهبي مواصلة الزخم