يعدّ المسرح السعودي جزءاً من التراث الثقافي العريق للمملكة العربية السعودية، ورغم تاريخه الطويل الذي يمتد لعقود من الزمن، إلا أنه عانى في الماضي من نقص الدعم والتجهيزات اللازمة للتطور، ومع ذلك، شهد المسرح في السنوات الأخيرة نهضة قوية، جعلت منه عنصراً مهماً في المشهد الثقافي والفني للمملكة، وفي هذا المقال، سنعرفكم على بدايات المسرح السعودي وكيف تطوّر عبر الزمن.
المسرح السعودي وخطواته الأولى
تعود البدايات المبكرة للمسرح في السعودية إلى عام 1928، حينما شهدت المدرسة الأهلية في عنيزة أول عرض مسرحي مدرسي، والذي شكل انطلاقة مبكرة للنشاط التمثيلي في المملكة.
وفي عام 1932، أطلّ على الساحة السعودية النص المسرحي الشعري الأول، وكان بعنوان “الظالم نفسه” من تأليف الشاعر حسين عبدالله سراج، الذي قدم بعدها مسرحيات شعرية أخرى مثل “جميل بثينة” في عام 1943 و”غرام ولَّادة” عام 1952.
وكان للمسرح المدرسي دوراً محورياً في نشر ثقافة المسرح وتعزيز الهوية العربية في المجتمع السعودي، فمع توسع التعليم في أنحاء المملكة، اكتسب النشاط المسرحي المدرسي طابعاً رسمياً.
اقرأ أيضاً: أجمل مسرحيات موسم الرياض 2024
فعلياً، لم يظهر المسرح السعودي إلا متأخراً مقارنة بالدول العربية الأخرى، إذ تأخرت الانطلاقة الحقيقية لنحو قرن، وتختلف الآراء حول بداياته، فالبعض يقول إنه انطلق عام 1960 حين أسس أحمد السباعي “فرقة مكة” المسرحية وتم عرض مسرحية “فتح مكة”، بينما يرى آخرون أن مسرحية “طبيب بالمشعاب” في عام 1974 كانت البداية الفعلية لانطلاقته.
ولكن عموماً يبدو أنه كان للسباعي فضلاً كبيراً في انطلاقة المسرح، فقد أطلق أيضاً “دار قريش للتمثيل الإسلامي”، التي كانت تستعد لتقديم أول عرض مسرحي من نوعه في السعودية، لكن، الحلم لم يكتمل، وحالت الظروف دون اكتماله، وتم إغلاق دار العرض.
لم يتوقف السعي لتطوير المسرح هنا، وكانت وزارة المعارف داعماً رئيسياً للحركة المسرحية، إذ استحدثت نشاط المسرح التعليمي في المدارس، واستقطبت خبراء متخصصين لممارسة هذا الفن الجديد.
اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن مسرح البواردي في محافظة شقراء السعودية؟
وفي عام 1967، دخل المسرح السعودي إلى منازل الجمهور من خلال “مسرح التلفزيون”، حين عرضت أول مسرحية سعودية بعنوان “عريس من ذهب”، ولاقت هذه الفترة تطورات مثيرة، أدّت لانطلاق عروض بارزة، مثل “ثمن الحرية” في عام 1969.
ومع بروز دور الجمعيات الثقافية، ازدهرت الحركة المسرحية بفضل الدعم المتواصل، وأتيحت الفرصة لكتّاب سعوديين فرصة التعبير عن رؤاهم وأفكارهم من خلال كتاباتهم المسرحية.
وفي عام 1972، تأسست جمعية الثقافة والفنون لتكون نقطة انطلاق جديدة تعزز الحركة المسرحية الحديثة في المملكة، وفي عام 1974، أضاف قسم الفنون المسرحية بالرئاسة العامة لرعاية الشباب بعداً آخر، بدأ المسرح السعودي من بعده رسم أولى ملامحه التي نعرفها اليوم.
اقرأ أيضاً: صناعة الترفيه في السعودية تنتقل نحو بعد دولي
مسرح الثمانينيات والانطلاقة الحقيقية
شهد المسرح السعودي تحولاً نوعياً في ثمانينيات القرن الماضي، حينما أطلقت الرئاسة العامة لرعاية الشباب –وزارة الرياضة اليوم- برنامجاً للابتعاث، فقد فتح آفاقاً جديدة للفنانين الموهوبين في مجالات التمثيل والإخراج والديكور والتأليف، وتمكنوا من السفر إلى دول عربية وخليجية وأجنبية لاستكشاف فنون المسرح وتطوير مهاراتهم.
وتحول المسرح في تلك الحقبة إلى ظاهرة ثقافية متكاملة، فكانت الأعمال المسرحية مثل “تحت الكراسي” علامة فارقة، فهي التي أظهرت مواهب سعودية مهمة كالفنانين ناصر القصبي وعبدالله السدحان، وأدخلت المسرح السعودي في صميم المناسبات الوطنية، وأدت لازدهار كل من المسرح التجاري والمسرح الجامعي بشكل كبير.
وساهمت ظهور الفرق المسرحية الخاصة في إنشاء حراك مسرحي مميز في المملكة، وفي عام 1981، حققت سناء بكر يونس إنجازاً مهماً بتخرجها كأول فتاة سعودية متخصصة في التمثيل والإخراج من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، وتبعها في عام 1982، إنجاز عبد الناصر حسن الزاير، الذي أصبح أول شاب سعودي يحصل على هذا التخصص.
وفي عام 1998، تم تنظيم المهرجان الأول للفرق المسرحية في الطائف، ليكون نقطة انطلاق جديدة للحركة المسرحية في المملكة، وشهد هذا الحدث مشاركة متميزة وولادة أفكار جديدة.
اقرأ أيضاً: أبرز التحديات في طريق تحول السينما السعودية نحو العالمية
رؤية 2030 تقود ثورة المسرح السعودي
بفضل رؤية السعودية 2030، شهدت الحركة المسرحية السعودية تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، ففي عام 2018، تم تقديم 273 مسرحية في مناطق المملكة المختلفة، وارتفع العدد إلى 344 مسرحية محلية في عام 2019، ثم أُنشِئ المسرح الوطني في نفس العام.
ومع الدعم الحكومي والمؤسسي المستمر، ارتفع عدد المسارح في السعودية إلى 262 مسرحاً بحلول عام 2021، بما في ذلك فروع جمعية الثقافة والفنون والأندية الأدبية، وفي عام 2023، تم إنشاء أول “معتزل” للكتاب المسرحيين في منطقة عسير، والذي أثمر عن إنتاج 10 نصوص مسرحية قابلة للإنتاج.
وفي إطار رؤية 2030 أيضاً، زادت مشاركة المرأة السعودية في المسرح، سواء في مجالات التمثيل أو الإخراج أو الكتابة المسرحية، فهيئة المسرح والفنون الأدائية تسعى بجد إلى دعم العنصر النسائي من خلال استقطاب المواهب وتقديم البرامج التدريبية.
اقرأ أيضاً: مسرح عبادي الجوهر: أيقونة جديدة تعكس الاهتمام بالثقافة والفن والفنانين في الممكلة العربية السعودية
آفاق وتطلعات
رغم التقدم الملحوظ في المسرح السعودي، يبقى الحلم قائماً لدى العاملين في هذا المجال لإقامة نشاطات مسرحية مستمرة وخلق مواسم مسرحية في كل مدينة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية التي تدعم هذه الطموحات.
ويسعى المجتمع المسرحي السعودي أيضاً إلى تنظيم مهرجان مسرحي شامل يضم جميع التجارب المسرحية، وهو طموح قديم لا يزال يتبلور ولم يأخذ شكله النهائي.
في هذا الصدد، قامت وزارة الثقافة السعودية بإنشاء قطاع متخصص في المسرح والفنون الأدائية، يهدف إلى تطوير القطاع وتنشيطه من خلال دعم المشاريع والممارسين، مع وضع لوائح واضحة لتحقيق النمو المنشود.
ختاماً، من الواضح أن المسرح السعودي اليوم يسير نحو مستقبل مشرق، مدعوماً برؤى جديدة ومبادرات مميزة ستأخذ بيده إلى العالمية في المستقبل.
اقرأ أيضاً: بين الإعجاب والانتقاد.. النقّاد يكشفون أسرار «شارع الأعشى»